العراقي البحراني: خرجت بالنحت من المحلية للعالمية   
الخميس 1424/4/20 هـ - الموافق 19/6/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

سيدي محمد

أحمد البحراني في مشغله (الجزيرة)
يستأنف النحات العراقي أحمد البحراني صلته العاطفية بالعالم عن طريق مادة هي الأكثر صلابة فتأخذ كائناته النحتية شكل هذه العاطفة مستجيبة لنزعتها الداخلية في التحرر من هيمنة أبعادها الخارجية إنه كمن يفتح نافذة من العدم ليرينا هواجسنا الخفية وقد تجسدت من خلال فعل نحتي خالص, وفي محاولة منا لتشكيل فكرة جديدة لدى القارئ عن فن النحت ومن يحمل همه كان لنا معه الحوار التالي:

الفنان أحمد البحراني نود أن نسألك أولا ماذا يقدم فن النحت وما موقعه بين الفنون الإنسانية؟

أعتقد أن النحت من أرقى الفنون باعتباره توثيقا للتاريخ الإنساني للأمم، كما أنه يتعامل مع البعد الثالث المسمى بالكتلة والشكل غير المسطح، بالإضافة إلى فلسفته الفنية التي بدأت تنحى منحى جديدا بعيدا عن التوثيق المحلي.

بالنسبة لي شخصيا حاولت أن أخرج من النحت التقليدي أي التأثيرات الحضارية للمدارس العراقية القديمة كالآشورية والبابلية، وذلك بإيجاد مفردات عالمية ولغة مشتركة برموز غير مرئية وغير مستهلكة بعيدا عن (الفيجر)، الذي يقصد به المكان والإنسان والثور وعلاقتهم بعضهم مع بعض مع أنني تأثرت بها منذ البداية.

كيف كانت البداية؟

تخصصت بالنحت وعمري خمس سنوات، ربما بسبب تلك المدينة التي ولدت فيها وتربيت في كنفها وأقصد هنا مدينة (طوريج) تلك الواقعة على نهر الفرات بين بابل وكربلاء حاملة عبق بابل الحضاري وتاريخ كربلاء الديني، كما أنها مدينة طينية ريفية، وهو ما جعلني في صباي صديقا لهذا الطين العب به وأقضي ساعات معه، وقد أقمت أول معرض لي من ذلك الطين، حيث قمت بعمل أشكال لأشخاص من أهل القرية، وهو ما فاجأ والدي الذي أحس بتلك الملكة مبكرا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بغداد وأكملت دراستي بمعهد الفنون الجميلة.

بمن تأثرت؟

تأثرت أولا بحضارتي وتاريخي، واستقيت منها كل روافد هذا الفن، ثم تأثرت بالنحات العراقي الأستاذ الكبير جواد سليم امتدادا لسومر وعاشور وبابل، ثم تعرفت على أعمال إسماعيل فتاح وخالد الرحال وغيرهم من الأسماء الكبيرة التي تأثر بها أغلب النحاتين العراقيين ولا يزالون يشربون من معين تراثهم الخالد.

ماذا عن آخر معرض لك في دبي والذي شاركت فيه مع خمسة من كبار الفنانين العراقيين ولاقى نجاحا كبيرا؟

لوحة للبحراني في معرض دبي(الجزيرة)

أقيم المعرض من تاريخ 4 حتى 22 يونيو/ حزيران الجاري بدبي تحت عنوان (فنانون معاصرون من العراق) وتضم القائمة أحمد البحراني وغسان غائب وكريم رسن، بالإضافة إلى سامر أسامة ونزار يحيى وقد كنت النحات الوحيد الموجود بينهم حيث كانت التجربة مهمة بالنسبة لي، لأن الأسماء الموجودة تمثل قيما كبيرة في خارطة جيل الثمانينيات والتسعينيات، واستطعنا بالفعل أن نقدم صورة غير متوقعة للجمهور العربي بعد أن كان يتوقع مجرد معرض إعلاني للحرب والدمار اللذين صارا بالعراق ولكنهم فوجئوا بتجربة فنية خالصة بها تأثيرات ولكنها غير مباشرة في نفس الوقت بحيث تظهر بصمات كل واحد من الفنانين المشاركين عبر تجربته الطويلة.

وفي رأيي أن المعرض كان تظاهرة مهمة وإضافة للفن العراقي ونقلة للعالمية بشكل معاصر بعيدا عن المحلية بلغة تحاكي كل الاتجاهات. وما ميز هذا المعرض هو التنوع في المشهد البصري الذي شهده, ففي حين أن كل منا يعمل باتجاه مختلف فنيا عن الآخر، إلا أن هناك هدفا واحدا يجمعنا وهو إيجاد حلول جديدة للفن من ألمه الذي يعيشه باعتباره نحن.

هل تعتقد أن فن النحت والرسم والعراقيون الآن يعيشون فترة موت ويأس؟

الحقيقة أن الفن العراقي دائما بخير، لأن الفنانين الجادين والمبدعين كثيرون رغم صعوبة الظروف ونستطيع أن نقسم الفنانين إلى قسمين:

  • القسم الأول فنانو الداخل وهؤلاء كانت معاناتهم كبيرة جدا لأسباب منها نقص المواد الأولية وعدم اطلاعهم على تطورات الفن الحديث ومصادره، وبالتالي ظلت لوحاتهم محاصرة رغم محاولاتهم الجادة للخروج من هذا الحصار الفني.
  • القسم الثاني الفنانون العراقيون بالخارج، وهؤلاء رغم غربتهم لكن توفر المواد الأولية واطلاعهم على ما هو جديد في هذا الفن العالمي ساعدهم في إنتاج أعمال مهمة وراقية، وأود ختاما أن أؤكد أن عودة الفنانين العراقيين عن قناعة شخصية إلى بلدهم في هذه المرحلة أي عراق ما بعد الحرب بما لديهم من خبرات اكتسبوها ومواد صناعية استوردوها ستشكل قفزة جديدة لهذا الفن العراقي.
    ______________
    الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة