أنور الجندي.. المجهول المعلوم   
الجمعة 1433/3/11 هـ - الموافق 3/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

 

حلمي القاعود

عشر سنوات مضت على رحيل المفكر أنور الجندي، بعد أن عاش أكثر من ثمانين عاما، قضى معظمها منافحاً عن الإسلام وفكره وأدبه ولغته العربيـة. لقد لقي الرجل ربه في 28 يناير/كانون الثاني 2002م دون أن تحتفي به الصحافة أو الإعلام مثلما يتم الاحتفاء عادة بآخرين أقل شأنا، وأدنى جهدا. وصار الرجل مجهولا لدى الأجيال الجديدة، وإن كان معلوما لمن عاصروه، وخاصة خصوم الإسلام وأعداء الحرية.

على ضفاف النيل ولد أحمد أنور سيد أحمد الجندي عام 1917م، بقرية النخيلة التابعة لديروط بمديرية أسيوط بصعيد مصر، وهي واحدة من أجمل بلاد الصعيد، حيث تسقيها ثلاثة روافد للنيل هي: الإبراهيمية، وبحر يوسف، والدلجاوي، وهي المنطقة التي شهدت مولد شاعر عظيم في وقت معاصر لأنور الجندي، هو شاعر الكوخ محمود حسن إسماعيل.

كانت رحلة التكوين الفكري لدى أنور الجندي جهدا ذاتيا في جانبها الرئيسي، بحيث يمكن القول إن أنور الجندي ثقف نفسه بنفسه إلى حد كبير

حفظ الجندي القرآن الكريم كاملا في كتَّاب القرية في سن مبكرة، ودرس المرحلة الابتدائية في ديروط، ثم حصل على شهادة الثانوية التجارية، فألحقه والده بوظيفة في بنك مصر. ثم واصل دراسته في أثناء عمله، حيث التحق بالجامعة الأميركية في الفترة المسائية ليدرس الاقتصاد وإدارة الأعمال، إلى أن تخرج بعد أن أجاد اللغة الإنجليزية التي سعى لدراستها حتى يطلع على شبهات الغربيين التي تطعن في الإسلام.

كانت حياة أنور الجندي هادئة، لولا أن واجهها التحدي فحولها إلى حياة ذات أغوار. لقد عمل أنور الجندي في القطاع المصرفي والصحافة بعدها، وكلاهما شكل له معضلة نفسية وشرعية، وقد واجه الموقف بما ينبغي على رجل مسلم يتحرى عقيدته وإيمانه، ويحرص على التفريق بين الحلال والحرام.

يقول "امتحنت في العمل الصحفي بمحنة العمل مع الماركسيين، واستطعت بعون الله أن أتجاوز إغراءاتهم، وأن أحصر نفسي في حيز قليل مضحياً بكل أسباب الكسب والترقي، حتى إني أمضيت عشر سنوات كاملة دون أن أحصل على مكافأة واحدة، وكان عزائي في ذلك عملي الفكري الذي كنت أعده وأتفرغ له".

كانت رحلة التكوين الفكري لدى أنور الجندي جهدا ذاتيا في جانبها الرئيسي، بحيث يمكن القول إن أنور الجندي ثقف نفسه بنفسه إلى حد كبير، وإن كان الأمر يتجاوز ذلك إلى عناصر أخرى، منها عمله الصحفي، ولقاءاته بمجموعة من الشخصيات المهمة على امتداد حياته وقراءة أعمالهم الفكرية والأدبية، وتأثره بآرائهم.

كما كانت طبيعة الأحداث التي مر بها الوطن منذ الثلاثينيات (بداية نشاطه الأدبي والفكري) وحتى رحيله في أوائل القرن الحادي والعشرين، فضلا عن مشاركاته في الحياة الأدبية والفكرية على امتداد العالم العربي، مما ساهم في إشعال جذوة القراءة والبحث والإضافة المعرفية لديه.

ولعل قراءاته واجتهاداته وهو شاب صغير، كانت من وراء محاولاته الأولى في الكتابة والتعبير، فقد كان أول مقال ينشره في مجلة "أبولو" الأدبية الرفيعة التي كان يحررها الدكتور أحمد زكي أبو شادي، وكانت قد أعلنت مسابقة لإصدار عدد خاص عن شاعر النيل حافظ إبراهيم، فتقدم أنور الجندي بمقاله الذي لقي قبولا، وظهر على صفحات المجلة.



امتاز أنور الجندي بالقدرة على التأليف الموسوعي والمعجمي، وإعداد الكتب الضخمة الممتدة التي تتناول جزئيات كثيرة، وفروعا شتى،

وكان ذلك دافعا ليردد أنور الجندي دائما قوله "ما زلت أفخر بأني كتبت في أبولو، وأنا في هذه السن (17) عاما، وقد فتح لي هذا باب النشر في أشهر الجرائد والمجلات آنئذ مثل: البلاغ وكوكب الشرق والرسالة وغيرها من المجلات والصحف".

لقد وهب حياته لتجلية قيم الإسلام وتاريخه والدفاع عنه، وعبر عن ذلك بقوله "أنا محام في قضية الحكم بكتاب الله، ما زلت موكلا فيها منذ بضع وأربعين سنة، منذ رفع القضية الإمام حسن البنا الذي استشهد في سبيلها قبل خمسين عاما للناس، حيث أعد لها الدفوع، وأقدم المذكرات بتكليفٍ بعقدٍ وبيعة إلى الحق تبارك وتعالى، وعهدٍ على بيع النفس لله...، والجنةُ هي الثمن لهذا التكليف"، "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة".

ويشير إلى التغريب وأبعاده والحافز الذي دفعه إلى دراسته وتناوله في كثير من كتبه، واستيعاب مفهوم الإسلام الجامع للدين والدنيا، والعمل والعبادة، والحياة والآخرة، ذلك هو التحدي الذي أذهله ودفعه إلى معرفة أبعاد هذا الخطر، وأساس القضية كلها والدور الذي يمكن لكتَّاب الإسلام أن يقوموا به في سبيل تحطيم هذه الخطة وتدمير وجهتها.

لقد لخص جهده البحثي العظيم في هذه القضية حين قال "قرأت بطاقات دار الكتب، وهي تربو على مليونيْ بطاقة، وأحصيت في كراريس بعض أسمائها. راجعت فهارس المجلات الكبرى كالهلال والمقتطف والمشرق والمنار والرسالة والثقافة، وأحصيت منها بعض رؤوس موضوعات، راجعت جريدة الأهرام على مدى عشرين عاما، وراجعت المقطم والمؤيد واللواء والبلاغ وكوكب الشرق والجهاد وغيرها من الصحف، وعشرات من المجلات العديدة والدوريات التي عرفتها في بلادنا في خلال هذا القرن، كل ذلك من أجل تقدير موقف القدرة على التعرف على موضوع معين في وقت ما".

في ذكرى رحيله العاشرة، هل يمكن أن نجد مؤسسة رسمية أو خاصة تتولى نشر أعمال أنور الجندي  التي جاوزت مائتي مؤلف، وتقدمها للأجيال الجديدة؟

ولم يتوقف الأمر على دار الكتب، فقد كان الجندي ضيفا دائما إلى وقت متأخر من عمره المديد، على مكتبة معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بجاردن سيتي (شارع الطلمبات)، وكثيرا ما ذهبت معه إلى المكتبة التاريخية أو قسم الدوريات المعاصرة المقابل لها، وكنا نتواعد هناك أحيانا.

امتاز أنور الجندي رحمه الله بالقدرة على التأليف الموسوعي والمعجمي، وإعداد الكتب الضخمة الممتدة التي تتناول جزئيات كثيرة، وفروعا شتى، ولذا يجد القارئ في مؤلفاته موسوعات متنوعة تتناول أصول الإسلام ومناهج العلوم والأدب العربي والتاريخ الإسلامي، والدعوة الإسلامية، والأعلام العرب والمسلمين المعاصرين منهم والقدامى، والصحافة الحديثة والمعاصرة، والتبشير والاستشراق والتغريب.

ويمكن للقارئ أن يقرأ موسوعة كاملة في موضوع واحد، أعدها أنور الجندي في عشرة مجلدات أو أكثر. أيضا فقد ألف في المجال المعجمي الثقافي أو الفكري –إن صح التعبير– بما يقدم للقارئ فكرة شاملة وموجزة إلى حد ما حول موضوع معين أو فكرة ما.

ولعله أول من بعث مصطلح "معلمة الإسلام" إلى النور ليكون بديلا عن لفظة المعجم. وقد صنع المعلمة من خمسين مصطلحا، كل مصطلح تضمه رسالة صغيرة في نحو ثلاثين صفحة من القطع الصغير. وقد جمعها رحمه الله في مجلد ضخم. كما وضع على غرار المعلمة عشرات الرسائل حول بعض القضايا التاريخية والإنسانية والفكرية.

في ذكرى رحيله العاشرة، هل يمكن أن نجد مؤسسة رسمية أو خاصة تتولى نشر أعماله التي جاوزت مائتي مؤلف، وتقدمها للأجيال الجديدة؟
_______________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة