دفاعًا عن النيكوتين.. الطب بخدمة لوبي التبغ   
السبت 1433/7/20 هـ - الموافق 9/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:53 (مكة المكرمة)، 15:53 (غرينتش)
شركة فيليب موريس المالكة لعلامة مالبورو مولت بحثا عن "أثر النيكوتين في حماية الأعصاب" (رويترز-أرشيف)
ترجمة وتلخيص إلياس تملالي

ماذا يعني أن تهتم شركات التبغ بالأبحاث الطبية، وتدفع على مدى سنوات طويلة عشرات الملايين من الدولارات لتمويلها؟

يظهر تحقيق مطول نشرته صحيفة لوموند كيف موّلت كبريات شركات التبغ الأميركية سنوات طويلة دراسات أشرف عليها عدد من كبار الباحثين في فرنسا، بهدف "تجميل" آثار النيكوتين، أو على الأقل التشكيك في صحة الخطاب الذي يحذر منه.

استندت لوموند إلى وثائق سمح الأميركيون بالاطلاع عليها بدءا من 1998، بعد أن رفعت 46 ولاية أميركية عشرات القضايا ضد كبريات شركات التبغ، التي أمرها القضاء لاحقا بأن تمول وتُثري مؤسسة غير ربحية تعنى بمحاربة التدخين، تتلقى تمويلا من شركات التبغ، بموجب قرار قضائي، وتسعى للرقي بـ"مكتبة وثائق ميراث التبغ"، وهي مؤسسة لديها 79 مليون صفحة من الوثائق، وضعت في شكل رقمي ورفعت على موقع جامعي.

إستراتيجيات معقدة
تظهر الوثائق كيف موّل مجلس بحوث التبغ الأميركي دراسات أجراها باحثون فرنسيون، بينهم جان بيير شونجو، وهو من أبرز المختصين في بيولوجيا الأعصاب في العالم، الذي تلقى بين 1995
و1998 من مجلس بحوث التبغ ما قيمته حاليا 177 ألف يورو، قبل أن يحصل مع نهاية التسعينيات على تمويل آخر من الشركة المالكة لسجائر كاميل.
مجلس بحوث التبغ أنفق 282 مليون دولار لتمويل بحوث تشكك في مدى أضرار التدخين(الفرنسية-أرشيف)
في 1992، وصفت صحيفة وول ستريت جورنال مجلس بحوث التبغ -الذي أنشأ في 1953- بأنه مسؤول عن "أطول حملة تضليل في التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة"، في إشارة إلى مهمة هذه الهيئة الأساسية وهي توجيه البحث العلمي في اتجاه يخدم شركات صناعة التبغ، وذلك بتمويل بعض مشاريع الأبحاث واستبعاد بعض آخر.
خلال نحو 40 سنة دفع المجلس 282 مليون دولار لنحو ألف باحث نشروا دراسات سمحت بزرع الشك في التأكيدات القائلة بأن التبغ ضار، أو بالتركيز على جوانب التبغ الإيجابية.

لم يكن التوجيه مباشرا دوما، فجان بيير شونجو مثلا يعترف له أقرانه بأنه أحد أبرز المختصين بيولوجيا الأعصاب.

لكن "إستراتيجيات التمويل التي تتبناها صناعة التبغ معقدة"، كما يرى مؤرخ العلوم روبرت بروكتور، الذي شهد في القضية التي رفعت ضد شركات التبغ في أميركا.

يقول بروكتور "تمويل المخابر ذات السمعة الكبيرة مفيد جدا للمدافعين عن صناعة التبغ: فعندما يتم التنويه إلى أنهم يمولون "العلم المنحاز"، تكون لديهم دائما أسماء عديدة يمكنهم استعراضها لتكذيب هذه المقولة، والعديد من هذه الأسماء فاز بجائزة نوبل".

كسبا للاحترام
وهذا ما يفسر سعادة مجلس بحوث التبغ عندما تلقى طلبَ تمويل من جان بيير شونجو خاصة أنه جاء في 1994، أي في السنة التي طلبت فيها الجمعية الطبية الأميركية من كليات الطب الأميركية ألا تقبل أموال هذا المجلس أو المنظمات المرتبطة به، لأن "شركات صناعة التبغ تساعد في إقناع أصحاب القرار والرأي العام بأن لديهم مشاريع أبحاث شرعية قيد الإنجاز وأن "الجدل" (حول أضرار السجائر) لم يحسم بعد"، رغم أن العلم واضح جدا في تحذيره من هذه الأضرار.

الجمعية الطبية الأميركية:
التمويلات تستعمل لإسكات الجامعات والباحثين وإشراك المؤسسات العريقة السمعة في هذه الصناعة  كسبا للاحترام
وتقول الجمعية الطبية الأميركية إن هذه الأموال تستعمل "لإسكات الجامعات والباحثين" لكن أيضا "لإشراك المؤسسات العريقة السمعة في هذه الصناعة (صناعة التبغ)، وبالتالي كسب الاحترام".

وقد أقر بوجاهة هذا الرأي القاضي جورج فينكل حين تحدث عن أدلة تؤكد ما ذهبت إليه كاليفورنيا من أن الشركات "استعملت مجلس بحوث التبغ لتخدع الرأي العام" في حكم صدر في 1998، وهي السنة نفسها التي حل فيها هذا المجلس، الذي لا يزال ملاحقا في 74 قضية.

يقول ستانتون غلانتز المختص بصناعة التبغ وأستاذ الطب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو "منذ 1994 كان بإمكان كل باحث مقتدر أن يعرف أن مجلس بحوث التبغ لم يكن وكالة علمية شرعية".

سمحت التمويلات التي تلقتها مخابر جان بيير شونجو بإصدار دراسات نشرت اثنتان منها في المجلة العلمية العريقة "نيتشر"، وأعطت إحداها صورة عن النيكوتين تكاد -بعد أن تم الترويج إعلاميا للدراسة- تحبب فيه، فهذه المادة "هي مفتاح مضادات الألم الأكثر فعالية" كما كتبت وكالة رويترز حينها.

لم يكن جان بيير شونجو الوحيد بين الأطباء والعلماء الفرنسيين البارزين الذي تلقى تمويلات تصب آثارها في صالح صناعة التبغ، التي لا تريد إلا تمويل "المفيد" من الأبحاث.

الأبحاث المفيدة
"لا أرغب في أن نستثمر في أبحاث لا تكون مفيدة لنا" هكذا كتب مدير شؤون البحوث في شركة فيليب موريس في رسالة إلكترونية، في معرض تبرير رفضه تقديم تمويل لمخبر فرنسي مختص في بحوث غير طبية بينها الإلكترونيات.

الفائدة التي يتحدث عنها هذا المسؤول هي التشكيك في نزاهة الخطاب العام المحذر من أضرار التبغ، الذي يتبناه -أو لا يتبناه- باحثون تمولهم شركات التبغ سواء في وسائل الإعلام أو في الدوائر العمومية.
طبيب أعصاب فرنسي آخر اسمه جون بول تاسين تلقى هو ورئيس فريق عمله جاك غلوفينسكي ما قيمته حاليا 546 ألف يورو من شركة (فيليب موريس-قطاع أوروبا) بين 1989 و2000، وهي السنة التي ترأس فيها بول تاسين مجلسا علميا فرنسيا لمكافحة المخدرات والإدمان.

بدأ التواصل بين الطرفين في 1986 على هامش اجتماع لجنة حكومية مكلفة بتقييم آثار التدخين في فرنسا، حيث حصل لقاء بين بول تاسين -أستاذ معهد كوليج دو فرانس العريق الذي كان يعرض خلال أعمال اللجنة أبحاثا عن الإدمان- وإيان ماركوفيتش المدير العلمي لـفيليب موريس، تبعته لقاءات أخرى.

كتب ماركوفيتش لاحقا أن لتاسين "موقفا موضوعيا" من السيجارة، وهو "منفتح على فكرة القيام بأبحاث على النيكوتين وعلى المستقبلات النيكوتينية"، محورها دراسات أجراها باحث اسمه ديفد واربورتن.

دفاعا عن النيكوتين
واربورتن -الذي عمل مستشارا لشركات التبغ- من مؤيدي الرأي القائل إن للنيكوتين آثارا إيجابية على الإدراك، وقد نشر العديد من المقالات العلمية في هذا الاتجاه، لكن دون أن يكشف أبدا التمويل الذي كان يتلقاه من شركات التبغ.
كانت شركات التبغ تريد دراسات ترصد الآليات البيولوجية التي يتم عبرها ما تعتبره تحفيزا يحدثه النيكوتين
لعب واربورتن في 1988 دورا مركزيا في محاولة التصدي، في وسائل الإعلام الجماهيرية الأميركية، لتقرير أساسي أصدره كبير مستشاري وزير الصحة الأميركي (المتحدث الرسمي في شؤون الصحة العامة) قال إن النيكوتين قد يسبب إدمانا يعادل في قوته الإدمان على الهيرويين أو الكوكايين.
 
على اهتمامها الشديد بدراسات واربورتن حول الآثار المحفزة للنيكوتين، كانت شركات التبغ تريد التعرف على الآليات البيولوجية التي تحقق هذا التحفيز، وهي مهمة أنيطت ببول تاسين.

في 1992، نشر الباحثون أنه قد تبين لهم بعد إجراء دراسات أن تحسيس نورونات معينة بـ"تجريعها المتكرر بالنيكوتين قد يسمح بأن نفهم بشكل أفضل تحسن الأداءات الإدراكية الذي يسجل عند الإنسان".

تنوه مذكرة لفيليب موريس بالدور المحتمل الذي قد يلعبه جون بول تاسين في التأثير على السياسات العامة، وتذكر بأن معهد كوليج دو فرانس "يمثل أهم هيئات البحث في مجال الأعصاب في فرنسا، ويلعب دور من يقدم الخبرة في كل القرارات المرتبطة بعلم الأدوية المرتبطة بالمخدرات".

تظهر رسالة تعود إلى 1990 كيف أصبحت لفيليب موريس سيطرة على الأعمال البحثية التي قام بها غلوفينسكي وبول تاسين، الذي يقترح مثلا على مموله اختيار النشرية التي ستسلم إليها الأبحاث.

أثمر التعاون أبحاثا كذلك الذي عرضه بول تاسين على فيليب موريس في 1998 وتم إقراره وكان عن "أثر النيكوتين في حماية الأعصاب"، وذلك الذي نشره في 2009 وأثار كثيرا من الجدل عندما قال إن النيكوتين لا يكفي وحده لجعل المدخنين مدمنين، بل إن ما يجعلهم يدمنون عناصر أخرى تدخل في صناعة السيجارة، وهو بحث جعل جمعيات فرنسية تحارب التدخين تحذر من دراسةٍ "تتقاطع مع مصالح شركات صناعة التبغ التي طالما نفت أن يكون الإدمان على النيكوتين المسؤول الرئيسي عن استمرار استهلاك السجائر في سوق التبغ".

"ليسوا شريرين"
هل تؤثر أموال شركات التبغ على المواقف العلنية للباحثين؟
في 2010 صرح تاسين لنشرية فرنسية مختصة بأن "أصحاب صناعة التبغ، في محاولتهم ضمان ثقة زبائنهم وزيادة عددهم، قد تسببوا في حدوث إدمان مرضي حقيقي، لكنهم بشكل ما لم يقصدوا ذلك"، فـ"هم حاولوا دائما إنتاج سجائر تكون سائغة الطعم قدر الإمكان، معتقدين أن ذلك مما يضمن لهم ثقة المدخنين، لأنهم ربطوا بين المتعة والإدمان"، ليخلص إلى أن شركات التبغ تُنسَب إليها أحيانا بالخطأ نوايا شريرة، فـ"هم يقولون مثلا إنهم يضعون الآمونياك في السجائر لزيادة إدمان المدخنين عليها. لكن إدراج الآمونياك في البداية لم يكن في الواقع لهذا السبب. كانوا يريدون (فقط) الحصول على طعم لذيذ".

يعلق ستانتون غلانتز على هذا الكلام بقوله: "كلمات ’لذيذ‘ و’طعم‘ هي الكلمات ذاتها التي تستعملها صناعات التبغ عندما تحاول الالتفاف على حقيقةِ أنها تلاعبت بمادة النيكوتين والمواد المضافة في السجائر لزيادة قدرتها الإدمانية".

تظهر الوثائق أيضا حجم التمويل الذي تلقاه من شركة فيليب موريس طيلة 12 سنة باحث فرنسي شهير آخر هو روبير موليمار وهو مؤسس جمعية فرنسية تعنى بالدراسات المتعلقة بالتدخين (ترأسها حتى 2004).
 
لم يشر موليمار في ما نشره من أبحاث إلى هذه التمويلات، التي تناقض أيضا التصريح بالمصالح الذي أدلى به لدى جمعية أخرى تضم شخصيات بارزة من عالم الطب يطالبون بتكوينٍ ومعلومات طبية مستقليْن عن الشركات الصيدلانية، وكان هو عضوا في مجلس إدارتها.

بعض الأبحاث شكك في أن يكون النيكوتين العنصر الذي يدفع نحو الإدمان (رويترز-أرشيف)
"يعتبر البروفيسور موليمار أحد أهم الخبراء المتخصصين في إدمان التبغ " كما جاء في مذكرة لفيليب موريس، تشدد على الدور الإستراتيجي الذي يستطيع هذا البروفسور لعبه في التأثير على السلطات العامة.

وفي اللقاءات التي جمعت موليمار بماركوفيتش وسيط فيليب موريس، كان البروفسور الفرنسي يطلع الشركة الأميركية على مدى تقدم أبحاثه، لكنه يعرض أيضا صورة عن تطورات المشهد السياسي العلمي في فرنسا في علاقته بصناعة التبغ.

في 1992، عين موليمار عضوا في مجموعة عمل كلفت بدراسة المواد التي سيسمح بإضافتها إلى التبغ في فرنسا، وهي مجموعة تشرف عليها هيئة علمية تابعة لوزارة الصحة.

بعد عامين من تعيينه يزوره ماركوفيتش وسيط فيليب موريس "للحصول على الأخبار المتعلقة بتطور أعمال لجنة الخبراء حول المواد المضافة إلى التبغ".

تلتقي المواقف العلنية لموليمار مع نظريات شركات التبغ، فهو مثلا يرى أنه "لا يوجد إدمان على النيكوتين"، وأن التقرير الأميركي لعام 1988 "خديعة فاضحة فبركتها شركات الصناعة الصيدلانية لتبيع بدائل النيكوتين".

بالنسبة لموليمار، فإن رفع قيمة الضرائب على السجائر لمحاربة التدخين -كما توصي به منظمة الصحة العالمية- خطأ، وحجته في ذلك أن الغرامات لا تثني المدخنين، بل تشجع التهريب، كما أن التدخين في الأماكن العامة "اعتداء على الحميمية وأقرب إلى الفاشية".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة