محمود غنايم.. قصة المعاناة في اللجوء الفلسطيني   
الأربعاء 1426/7/27 هـ - الموافق 31/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:54 (مكة المكرمة)، 16:54 (غرينتش)
محمود غنايم يبرز شهادة ميلاده (الجزيرة نت)
 

يعيش أكثر من ستة ملايين فلسطيني منذ ما يزيد عن نصف قرن تجربة مريرة مع اللجوء القسري الذي بدأ في العام 1948 حيث تذوقوا عذابه وعاشوا ولازالوا يعيشون المعاناة بكل فصولها إما في مخيمات اللاجئين أو في المهجر.
 
الجزيرة نت زارات مخيم الفوار للاجئين الفلسطينيين جنوب مدينة الخليل, والتقت بالحاج محمود غنايم الحموز الذي بلغ العقد السابع من العمر, ليتحدث بمرارة في ساحة منزله الذي بنته له وكالة الغوث قبل نحو خمسين عاما عن رحلة اللجوء وذكرياته وآلامه وآماله.
 

بداية نود أن تحدثنا باختصار عن بلدة بيت جبرين التي هجرت منها وطبيعة الحياة التي كنتم تعيشونها هناك؟

بلدة بيت جبرين تقع إلى الغرب من مدينة الخليل، وهناك كنت أسكن مع عائلتي في الحي الشرقي من البلدة، وكان الفقر هو السمة الغالبة حيث كنا نعمل في الفلاحة والزراعة فكان لدينا مزارع من العنب الرومي وأغنام وأبقار وكنا نزرع الحبوب كالقمح والشعير وغيرها كما هو الحال بالنسبة لغالبية السكان.
 
وكم كان لك من الأرض هناك، وما عدد السكان والعائلات التي كانت تسكن البلدة قبل الهجرة؟

كانت لنا أرض واسعة لدرجة أننا لم نكن نستطيع إحصاءها، فمثلا كان لكل واحد منا عدة جبال وسهول خاصة به ولم يكن هناك مساحة محددة، لكن في الطابو أذكر أننا كنا قد سجلنا نحو 1000 دونم مع أننا لم نكن نسجل المساحة الحقيقية خشية الملاحقة الضريبية.
 
أما بالنسبة لعدد السكان فكانوا نحو ثلاثة آلاف نسمة، ينتمون إلى أكثر من عشر عائلات، جميعهم كانوا يعملون في الزراعة والرعي وغير ذلك، والآن يعيشون منذ أكثر من نصف قرن حياة اللجوء والشتات في الداخل والخارج.
 
ما الذي تذكر أنك تركته هناك في بيت جبرين؟ وما الذي أخذته معك؟
 
كما قلت تركت الأرض والبيت وأطنانا من الحبوب التي كانت معدة للماشية ولم أحمل معي سوى الأشياء البسيطة وخفيفة الوزن مثل الكوشان (شهادة الميلاد) ومفتاح البيت الذي لا زلت وسأبقى أحتفظ به، ومطحنة القهوة والطابو وغيرها، وكباقي الناس أخذت معي الأغنام والأبقار والجمال التي كان يقدر عددها بأكثر من ستمائة رأس.

ما السبب الرئيسي الذي أجبركم على الهجرة؟ وكيف كنتم تواجهون عصابات الهاغاناة اليهودية أثناء هجومها على القرية؟

كانت البلدة تتعرض للهجوم من قبل عصابات الهاغاناة في الليل، وكان الشباب من سكان البلدة يستعدون لها ويتصدون لمحاولات الاقتحام بما لديهم من أسلحة بسيطة حصلوا عليها من الجيش المصري والأردني، وكنا دائما نتوجه بواسطة "تراكتور" إلى منطقة باب واد علي حيث كنا نتوقع أن يبدأ الهجوم من هناك واستمر التمركز هناك عدة أشهر.
 
أما أسباب الرحيل فكان أهمها هجوم الطائرات في آخر ليلة عشناها في القرية حيث ألقت علينا أكثر من 160 صاروخا، كما أدت الأخبار والشائعات -التي وصلت عن باقي القرى وكيفية ذبح أهلها- بالناس إلى عدم التردد في الرحيل.
 
هل غادرتم جميعا البلدة أم بقي أناس فيها؟ وما هي الوسائل القتالية التي كانت تحاربكم بها العصابات الصهيونية في تلك الفترة؟
 
معظم السكان غادروا البلدة، ولم يبق فيها إلا كبار السن الذين كان مصيرهم القتل والذبح وأنا أعرف خمسة على الأقل ممن ذبحوا وألقي بجثثهم في بئر للمياه. وبالنسبة للعصابات الصهيونية فكان لديها طائرات ومدافع وأسلحة كثيرة وقنابل وصواريخ حصلوا عليها من البريطانيين، لكن نحن لم يكن لدينا سوى البارودة.
 
إلى أين كانت وجهتكم بعد مغادرة البلدة وتركها قسرا؟
 
لجأنا إلى القرى المجاورة، وأقمنا في منطقة تدعى جمرورة قرب قرية ترقوميا غرب الخليل، وهناك أقمنا في المغر (الكهوف)، واخترنا تلك المنطقة كونها قريبة من بلدتنا الأصلية وعلى أمل العودة إليها في أقرب وقت ممكن، وبقي معنا هناك كل من لديهم أغنام وأبقار وكان من الصعب عليهم نقلها إلى مناطق أخرى، أما من كان حملهم خفيف فتشتتوا في داخل الضفة وخارجها. واستمر حالنا في جمرورة  لمدة ثلاث سنوات.
 
وكيف كنتم تتدبرون أموركم طوال هذه الفترة خاصة وأن عددكم كبير ولديكم مواش؟
 
لم يكن لدينا في ذلك الوقت أية نقود، وكنا نتبادل اللبن والحليب، وأحضرت بعض المؤسسات الدولية لنا بعض المؤن القليلة، لكن المشكلة الكبرى التي كانت تواجهنا هي توفير الحبوب لعدد كبير من المواشي، فكنا أثناء الليل نضطر إلى العودة إلى بيت جبرين لنحضر الحبوب، وقد استشهد الكثير منا في هذه المحاولات حيث كانت العصابات اليهودية تقتل كل من تجده هناك وكل من يحاول التسلل وراء خط الهدنة.

بعد السنوات الثلاث الأولى في اللجوء أين توجهتم وماذا فعلتم؟
 
جميع اللاجئين توزعوا في الضفة الغربية والدول المجاورة، وبالنسبة لي كان لي خالة في حي تل الرميدة في الخليل وانتقلت للسكن عندها، وهناك سجلنا في وكالة الغوث وكنا نحصل على المؤمن من طحين وسكر وشاي وغير ذلك.
 
وفي عام 1953 أقامت وكالة الغوث مخيم الفوار للاجئين فانتقلنا للسكن فيه، وكنا في البداية نحو 4 آلاف نسمة من مختلف القرى والمدن المهجرة. وبقي المخيم عبارة عن بيوت بدائية مسقوفة بالزينكو حتى عام 1957 حين تم بناء بيوت صغيرة من الباطون والطوب.
 
بما أن عددكم في البداية كان كبيرا في مخيم الفوار، كيف كان يتم توثيق المواليد والوفيات وغير ذلك من المعاملات الرسمية في المخيم؟
 
كان في المخيم ممثل للحكومة الأردنية يقوم بتسجيل هذه الأمور، إضافة إلى وجود المخاتير، حيث يقوم المختار بإجراء عقود القران وتسجيل المواليد والوفيات والشهادة في كثير من القضايا. وأنا كنت أحد هؤلاء المخاتير ومسؤولا عن القضايا التي تتعلق باللاجئين من بلدة جبرين مقابل أجرة بسيطة.
 
ما هي أبرز المشاكل التي عانيتم منها في بدايات سكنكم في مخيم الفوار؟ وما هي أبرز المشاكل التي يعاني منها اللاجئون الآن؟
 
عانينا من مشاكل كثيرة أبرزها انتشار الحشرات والقمل في البداية نتيجة لقلة مواد التنظيف، كما عانينا من نظرة المجتمع المحلي لنا وعدم احترامه للاجئين واتهامه لنا ببيع أرضنا والهروب منها. والآن نعاني من تهميش السلطة لنا وعدم إنصافنا في كثير من الأمور، إضافة إلى محاولات البعض لتسويق فكرة التنازل عن حق العودة.
 
أنت عشت الهجرة الأولى وعشت فترة الاجتياحات الإسرائيلية للضفة عام 2002، فهل كانت تجربة 1948 أصعب أم تجربة 2002م؟
 
الحقيقة أن تجربة الاجتياحات كانت أصعب بكثير واستخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة وسقط الكثير من الشهداء دون أن يؤثر ذلك على معنويات الناس، وأصدقك القول أن ما ذقناه وقت اللجوء لا يذكر بالنسبة لما ذقناه وقت الاجتياحات، ولو كنت أعلم بما سيحدث لنا لفضلت الموت على اللجوء.
 
مضى أكثر من 56 عاما على اللجوء، وتطرح بين الحين والآخر قضايا العودة والتعويض، فما هو موقف اللاجئين من مسألة التعويض؟
 
الحقيقة أن النفسيات تختلف عن بعضها، فهناك من يقبل بالتعويض ليس لأنه يحب المال بل لأنه فقد الأمل بالعودة نتيجة المواقف الرسمية المتخاذلة والتي تقدم التنازلات يوما بعد يوم. أما أنا وكذلك الغالبية من اللاجئين فإن حروف بيت جبرين محفورة في ذاكرتي، ولن أنسى أزقتها وحاراتها وآبار المياه فيها، ولن أقبل بديلا عن العودة إلى الحارة الشرقية مهما طال الانتظار، وإن لم أسعد بذلك في حياتي، فسيسعد أبنائي أو أحفادي به بعد الممات.
 
هل تقبلون العيش خارج المخيمات في الضفة الغربية مقابل نسيان العودة؟ وهل لا زال لديك أمل بالعودة إلى بيت جبرين؟
 
بالتأكيد لا نقبل العيش دون التمسك بحق العودة، ولن نقبل أي حل لا يعيدنا إلى بلادنا ووطننا الأصلي، وهو حق كفلته لنا كافة المواثيق والأعراف والقوانين الدولية. ورغم الآلام التي تجرعناها ونتجرعها كل يوم فإن الأمل في الله كبير أن يعيدنا إلى أوطاننا، أما الأمل في الأشقاء والدول العربية والعالم فإنه مفقود.
 
متى كانت آخر مرة زرت فيها مسقط رأسك وماذا وجدت؟
 
كانت المرة الأولى والأخيرة منذ اللجوء عام 1998 حين جاء أحد أبنائي زائرا من الأردن حيث طلب أن نأخذه إلى مسقط رأسه فذهبنا إلى هناك، وكانت اللحظات الصعبة هي أننا قمنا بدفع رسوم تعادل 4 دولارات مقابل الدخول إلى البلدة باعتبارها منطقة سياحية، ووجدنا القرية كما هي ولم يتغير عليها شيء، باستثناء المدرسة الوحيدة التي بنينها بأيدينا وجدنا ملعبها قد حول إلى مسبح.
ـــــــــــــ
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة