أمين محمد زين.. بذاكرة الرواية بالسودان   
الاثنين 28/7/1433 هـ - الموافق 18/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:07 (مكة المكرمة)، 13:07 (غرينتش)
عبد العزيز بركة ساكن
أمين محمد زين يعد من جيل الرواد في الرواية السودانية (الجزيرة نت)
من النادر أن تجد قارئا سودانيا تجاوز الأربعين، ولم يقرأ رواية "لقاء عند الغروب" للروائي أمين محمد زين، وقد يكون حصل عليها في مدينته أو قريته بسهولة بالغة. وكثيرون حصلوا عليها من صاحبها مباشرة، في كل بقاع السودان في سنة صدورها ذاتها 1964، من دار خليل طُعْمة في بيروت، ثم توارثتها الأجيال اللاحقة.

وُلد أمين محمد زين تقريبا -حيث لا يعلم أحد تاريخ ميلاده الحقيقي- في ما بين عامي 1935–1937 بمدينة سنجة وسط السودان، وهو يعتبر من جيل الرواد الخمسينيين مثل أبو بكر خالد ومحمد مختار محمد وعبد الفتاح خضر وعيسى الحلو والطيب صالح.

مثل قراء جيلي تحصلت على "لقاء عند الغروب" في بلدتنا خشم القربة بشرق السودان وأنا في المدرسة الابتدائية، كان كتابا كبيرا أنيقا ومطبوعا طباعة فاخرة، وعلى غلافه لوحة على شاكلة تلك الموجودة على الروايات الرومانسية في ذلك الوقت، أي أغلفة روايات المصري إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله، ونجيب محفوظ.

ما يحسب لزين، أنه أتاح الفرصة للسودانيين للاطلاع علي روايات كتبت بأقلام وطنية، ومكنهم من الحصول على هذه الروايات دونما جهد يذكر، بل في بلداتهم وقراهم ومدنهم وبأسعار زهيدة

عرفت منه، عندما التقيت به هذا العام، أنه كان يقوم بتوزيع الكتب بنفسه في كل مدن السودان مستغلا عمله في "الباص السريع" -وهو أول حافلة كبيرة لنقل الركاب في السودان عبر المدن- كما أنه كان يقوم بدفع الموظفين في الهيئات الحكومية والبنوك والشركات والمؤسسات التجارية لشراء نسخ بأسعار مخفضة.

وبذلك أصبحت رواية "لقاء عند الغروب" الكتاب السوداني الوحيد الذي وزعت منه 98 ألف نسخة في ثماني طبعات متتالية، الأولى في 1964 والسابعة في 1978 والأخيرة في 2011. وقد قام بحجب الطبعة الأخيرة من التوزيع  لسوء طباعتها. وهو أيضا الكتاب السوداني الوحيد الذي مكن مؤلفه من العيش على ريعه في دعة لسنوات طويلة.

كتب أمين محمد زين عدة كتب، كان الأول بعنوان "ذكريات وخواطر"، ثم روايته القصيرة "سلوا دموعي" في 1968، حيث قام مغني الجاز والرسام الشهير شرحبيل أحمد  برسم الغلاف، وله أيضا رواية رومانسية جميلة بعنوان "أغلى من حياتي"، صدرت من "دار طعمة" البيروتية في 1967، وكان يسافر بنفسه لبيروت لطباعة كتبه، وشحنها عبر البحر إلى
بورسودان.

وقد أقام في مصر ردحا من الزمان يدرس بمعهد الصحافة، وكان صديقا مقرباً للروائيين المصريين محمد عبد الحليم عبد الله والأستاذ إحسان عبد القدوس، وقد تأثر بالأخير كثيرا في أسلوب كتاباته وحياته، وقد سمى ولده البكر إحسان احتفاء بتلك الصداقة الطويلة المثمرة، وتعرف أيضا على الأديب المصري أنيس منصور، والمفكر طه حسين الذي عندما قدم إليه روايته "سلوا دموعي"، شجعه كثيرا ولكنه طلب منه ألا يكتب الحوار بالدارجة.

 كتابات زين تميزت  بالجرأة في الطرح، وتناول الموضوعات الاجتماعية الشائكة مع تركيزه على العلاقات المتوترة بين الرجل والمرأة، بأسلوب واقعي رومانسي ولغة سهلة وسرد ممتع

يحتفظ زين بعلاقات طيبة مع كتاب وصحفيين مصريين ودور نشر ظلت ترسل إليه مطبوعاتها بالبريد، يبيعها في مكتبته الصغيرة بمدينة سنجة ويرسل للدور نصيبها بالبريد، إلى أن اختفت مصلحة البريد والبرق في السودان.

والغريب في الأمر أنه ليست لأمين محمد زين أية علاقات تواصل مع رصفائه من الكتاب السودانيين، وهو يقيم في شبه عزلة، ولم يكن عضوا في رابطة الجزيرة أو رابطة  سنار الأدبية النشطة وقتها، وغيرهما من اتحادات الكتاب وأنديتهم المنتشرة في ذلك الزمان.

ويرجع الروائي مبارك الصادق ذلك إلى إقامة زين الدائمة بمدينة سنجة والنقد الحاد الذي كان قد كتبه عنه الأستاذ نبيل غالي، وهو الأمين العام لرابطة سنار الأدبية في ذلك الحين.

ويمكن القول إن ما يحسب للروائي أمين محمد زين، أنه أتاح الفرصة للسودانيين، في وقت يصعب فيه السفر كثيرا، ولم تكن فيه وسائل الاتصال الجماهيرية السريعة قد اكتشفت بعد، أن يطلعوا على روايات كتبت بأقلام وطنية، ومكنهم من الحصول على هذه الروايات دونما جهد يذكر، في بلداتهم وقراهم ومدنهم وبأسعار زهيدة.

كتابات زين تميزت بالجرأة في الطرح، وتناول الموضوعات الاجتماعية الشائكة، مع تركيزه على العلاقات المتوترة بين الرجل والمرأة، بأسلوب واقعي رومنسي ولغة سهلة وسرد ممتع. وقد جاء ذلك ضمن تيار طغت فيه النزعة الرومنسية على مجمل إبداعات الروائيين السودانيين.
______________
روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة