فقراء أميركا اللاتينية يغيرون خارطة القارة السياسية   
السبت 1424/8/23 هـ - الموافق 18/10/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

فقراء أميركا اللاتينية يضعون بصماتهم على السياسة (الفرنسية)

زياد طارق رشيد

يعتبر غونزالو سانشيز دي لوسادا -الذي قدم استقالته أمس من الرئاسة البوليفية- رابع رئيس دولة في أميركا اللاتينية يضطر إلى التنحي عن منصبه استجابة للضغوط الشعبية خلال السنوات الست الماضية. فقد سبقه إلى ذلك الرئيس الأرجنتيني فرناندو دي لا روا، والبيروفي ألبرتو فوجيموري، والإكوادوري عبد الله بوكرم، وجميعهم استقالوا بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

واستقال سانشيز بعد شهر من التظاهرات والإضرابات التي نظمتها المعارضة وأسفرت عن سقوط أكثر من 80 قتيلا. وانضم تدريجيا إلى موجة الغضب الشعبي الهنود ومزارعو الكوكا وعمال المناجم والمثقفون المحتجون على سياسة استغلال حقول الغاز جنوبي البلاد.

وفي الأرجنتين استقال الرئيس فرناندو دي لا روا نهاية عام 2001 بعد أسبوع من الاحتجاجات التي قمعت بعنف وقتل فيها 27 شخصا. وسبقت رحيله أعمال عنف ونهب للمحال التجارية في الضواحي الفقيرة وتظاهرات قرع المشاركون فيها أواني الطبخ احتجاجا على الانكماش الذي ضرب البلاد لمدة 43 شهرا ووضعها على شفير الإفلاس.

وبدأت الأزمة السياسية التي أدت إلى سقوط الرئيس البيروفي ألبرتو فوجيموري في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2000، قبل ثلاثة أشهر من تاريخ الاستقالة بالكشف عن أشرطة فيديو تظهر رئيس جهاز الاستخبارات فلاديميرو مونتيسينوس وهو يقدم رشوة لأحد النواب. واختار فوجيموري اللجوء لليابان مسقط رأس والديه، وأعلن منها استقالته عبر رسالة فاكس قبل حصوله على الجنسية اليابانية.

أما عبد الله بوكرم الذي تولى رئاسة الإكوادور في أغسطس/ آب عام 1996 فقد أقاله البرلمان في فبراير/ شباط عام 1997 بعدما أعلن عجزه عن حكم البلاد. وفقد بوكرم شعبيته إثر فرضه ضرائب مرتفعة جدا على الخدمات والسلع الأساسية.

دور الفقراء
البرازيل انتخبت أول رئيس من عامة الشعب (رويترز)
ويبدو أن الفقراء كان لهم الدور الأكبر في الإطاحة بتلك الشخصيات في دول أميركا اللاتينية.

فبعد سنوات طويلة من تغييب الطبقات الفقيرة والسكان الأصليين عن صياغة القرار السياسي، بدأت الجماهير باستعادة دورها بعد أن أدركت أن السياسات المتبعة تتلائم مع المصالح النخبوية والمؤسسات المالية العالمية ورغبات الولايات المتحدة التي أدت إلى تجويع وإفقار أكثر من 80% من فئات الشعب على طول وعرض القارة الأميركية حسب بعض الدراسات.

لذلك نجد أن هذه الطبقات تمردت في أكثر من دولة على إرادة الطبقة الحاكمة، وكانت البداية في فنزويلا عام 1989، إلا أن الحكومة آنذاك قمتعها بالحديد والنار وقتلت أكثر من 3000 مواطن في يومين ثم تبع ذلك تمرد شعبي في الإكوادور والأرجنتين وبوليفيا وبيرو وأورغواي وباراغواي.

أما في فنزويلا فكان دور الفقراء مختلفا عن دورهم في الدول آنفة الذكر، فهم أعادوا الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز بعد 47 ساعة من الإطاحة به بانقلاب عسكري في 11 أبريل/ نيسان عام 2002. وفي البرازيل انتخبت الجماهير الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا داسيلفا الذي يعتبر أول رئيس للبرازيل من الطبقة العاملة، إذ كان عاملا بقطاع التعدين.

وقال ريمون قبشي مستشار الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز للجزيرة نت إن تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية في دول أميركا اللاتينية هي التي تؤدي إلى الانفجار السياسي الذي ينتقل من بلد إلى آخر، خاصة أن غالبية هذه الدول غنية بمواردها الطبيعية ومواطنيها في ذات الوقت مهمشون من استغلال واستثمار تلك الثروات.

التعريف الحالي
الفقراء في فنزويلا أعادوا شافيز إلى السلطة (رويترز)
ومما تجدر الإشارة إليه أن الولايات المتحدة التي تعتبر دول أميركا اللاتينية الفناء الخلفي -الذي ينتج احتياجاتها من المنتجات الزراعية- تؤثر بشكل مباشر على كل مرافق الحياة في دول المنطقة باعتبارها الشريك الأكبر في عمليات التبادل التجاري.

وقال قبشي إن الحكومات المتلاحقة وخاصة الدكتاتورية منها كانت صنيعة واشنطن. لذلك فإن ما حدث في الأرجنتين والإكوادور وبيرو والآن في بوليفيا هو بالضبط عكس ما تتوخاه الولايات المتحدة، موضحا أن تعريف أميركا اللاتينية في الظروف الحالية هو "واقع وسياسات جديدة أخذت فيه الجماهير دورا هاما للمرة الأولى في تاريخ القارة، وإن ما حدث في بوليفيا ما هو إلا امتداد لهذا المد الدستوري الديمقراطي الجديد".

وأضاف أن "التغيرات السياسية التي كانت تحدث في أميركا اللاتينية عن طريق المدفع والدبابة أصبحت تتحقق اليوم عن طريق الممارسات الشعبية للحقوق التي نصت عليها الدساتير"، موضحا أن المشاركة الشعبية أدت إلى قيام تيار جديد يقوده شافيز وداسيلفا، وأنها تنذر بخلق تطلعات جديدة لا تتلائم مع طموحات الولايات المتحدة للسيطرة على العالم.
________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة