الربيع العربي.. القضية 68 لا تزال مستمرة   
الجمعة 1437/4/20 هـ - الموافق 29/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:54 (مكة المكرمة)، 10:54 (غرينتش)

* ناصر يحيى

إحدى المعضلات التي واجهت ثورات الربيع العربي السلمية -التي تمر ذكراها الخامسة هذه الأيام- هي كيفية التعامل مع الأنظمة القديمة التي ثارت عليها الشعوب، وهل يتم الإبقاء على إطارها العام ومؤسساتها أو إسقاطها نهائيا، والتخلص من رموزها البشرية، وتطهير مؤسسات الدولة من نفوذهم، خاصة في المجالات الإستراتيجية كالجيش والأمن والإعلام والقضاء، وإعادة بناء الدولة من جديد!

ومن نافلة القول إن جزءا كبيرا من المعوقات التي واجهها الربيع العربي وأوصلته إلى انتكاسات أو الدخول في حروب أهلية مدمرة كان بسبب نجاح قوى الأنظمة السابقة -أو الدولة العميقة كما صارت تسمى- في حشد قواها من جديد اعتمادا على أنها ظلت في مجملها سليمة بعد الانتصارات الأولية التي تحققت للربيع العربي.

فقد فرضت ظروف معينة أن تستمر تلك الأنظمة الفاسدة قائمة وفاعلة -بعد التخلص فقط من بعض الرموز القيادية الرئيسية المحترقة- في شخوص وأجهزة ومؤسسات وقوانين تحكم سيطرتها الفعلية على البلاد ومؤسساتها، تحمل معها بذور الحقد والانتقام من الربيع العربي، وتستجمع قواها من جديد حتى انقضت على السلطة واستعادت سيطرتها بشعارات جديدة وتحالفات جديدة، معظمها مع قوى من داخل مربع الربيع العربي نفسه!

القضية 68
يمكن تسمية هذه الحالة "القضية 68" نسبة للفيلم المصري الذي يحمل ذات العنوان والذي ظهر نهاية 1968، فقد جسد الفيلم -الذي أخرجه صلاح أبو سيف عن مسرحية للكاتب لطفي الخولي- معضلة تعامل الثورات مع خصومها وأعدائها، وهل تجتث جذورهم وتنفذ برامجها على الطريقة الثورية الجذرية أو تتعامل معهم وفق الأسلوب الإصلاحي في إتاحة المجال لهم للانخراط في النظام الجديد.. وعفا الله عما سلف!

"القضية 68" فيلم مصري أخرج عام 1968 انطلاقا من مسرحية بنفس العنوان للكاتب لطفي الخولي

      تدور حبكة الفيلم في حارة مصرية (رمز للوطن) تدير شؤونها لجنة الحي (رمز للسلطة وقيادة الدولة) التي تضم نوعين من الشخصيات المتناقضة (رمز للمكونات الشعبية)، الأولى: أقلية من الشباب الثوريين تدعو إلى الحسم والتغيير الحقيقي، والثانية: أغلبية من المهنيين والتجار وأصحاب المصالح الخاصة الذين انضموا إلى لجنة الحي حماية لمصالحهم، ومن دون إيمان حقيقي بالمشاركة الشعبية في الحكم.

ويرأس اللجنة رجل (قام بالدور الممثل صلاح منصور) ذو شخصية إصلاحية توافقية غير حاسمة يريد إرضاء الجميع، ويدعو لحل كل المشاكل بالتفاهم والحب والهدوء رغم معرفته أن الجناح المصلحي يعمل على إفشاله وإزاحته والحلول محله في قيادة اللجنة!

إحدى أبرز مشاكل الحارة كانت ذلك التشقق الذي ظهر في العمارة التي يملكها رئيس اللجنة نفسه ويتخذ من غرفة في سطحها مقرا لإدارة الحي، ويعكس الموقف من هذا التشقق وكيفية إصلاحه رؤى طرفي الصراع داخل اللجنة، فالطرف الشبابي الثوري يطالب بحل جذري قبل أن يستفحل الخطر وتسقط العمارة على سكانها، محذرا رئيس الحي من خطورة السكوت على الخلل، وفي المقابل يهون الطرف الآخر داخل لجنة الحي من مشكلة التصدع إلى العمارة ولا يهتم إلا بمصالحه.

وبسبب نفسيته التوافقية غير الحاسمة لا يميل رئيس الحي إلى حل جذري للتصدع، ويفضل إصلاحه على طريقة الترقيع الظاهري، لكن التصدع يستمر ويمتد إلى كل العمارة حتى يصير كارثة وتسقط في الأخير!

الربيع العربي 68
تنازع الإرادة الثورية في الربيع العربي اتجاهان، الأول يدعو للحسم وإسقاط النظام القديم نهائيا مهما كانت التكاليف الإنسانية والتضحيات المطلوبة، والآخر يتبنى التدرج في السير بطريق الإصلاحات والتغيير في إطار القانون والتفاهم مراعاة لموازين القوى، وتجنبا لحروب أهلية دموية كانت تلوح في حالة التغيير الجذري!

وكما لم تثمر الدعوة إلى التفاهم والحب في كسب تيار الانتهازيين والمصلحيين في فيلم "القضية 68" كذلك لم تثمر دعوة التوافق والقبول بالجميع بعد النجاح الأولي للربيع العربي في إقناع بقايا الأنظمة في الدولة العميقة بالبدء بصفحة جديدة، فقد انقضت قوى الثورة المضادة من جديد على السلطة!

وكما سقطت العمارة على سكانها كذلك دخلت بلدان الربيع العربي في نفق مظلم بفعل المؤامرات، فالبلد الذي لم تستطع الثورة المضادة العودة فيه إلى السلطة -بالانقلاب العسكري أو بالتآمر الخارجي والتحالفات الانتهازية الداخلية (مع بعض قوى الربيع العربي للأسف الشديد!)- أغرقوه في حروب أهلية دموية أكلت الأخضر واليابس!

وكما تعرض بطل الفيلم داعية الحب والتفاهم إلى السجن 24 ساعة تأديبا له بتهمة إزعاج القضاء والخروج على نظام المحكمة أثناء حضوره جلسة محاكمة في قضية تنازع بين جيرانه من أهالي الحي ومحاولته تهدئتهم كذلك تعرض رموز ثورات الربيع العربي إلى مؤامرات واعتقل بعضهم وقتل آخرون!

ويخرج رئيس الحي من الحجز محطما نفسيا فقد أهينت كرامته، وأسقطت دعوته إلى التفاهم والحب في حل المشاكل وبالقانون والتي طالما دعا إليها وتحمل بسببها الكثير من النقد واللوم، لكن يبقى مصيره أهون بكثير مما لاقاه أمثاله في ثورات الربيع العربي!

عندما كتب لطفي الخولي مسرحيته (1961) وتحولت لفيلم سينمائي بعد سبع سنوات كانت الديمقراطية والحريات لا تزال هي الحل للمشكلة، ويبدو ذلك من حكاية "العربجي" (الممثل محمد رضا) الذي أحيل للقضاء وتمت إدانته وتغريمه بتهمة فتح نافذة في بيته من دون تصريح من البلدية ثم إدانته وتغريمه مرة ثانية لأنه قام بسد النافذة من دون تصريح أيضا، ويواجه المواطن البسيط مشكلة مع قانون لا يفهمه ويدينه ويعاقبه لأنه ارتكب خطأ ما ثم يدينه عندما أراد إصلاحه!

وعندما يخرج رئيس الحي من الحجز يقابل "العربجي" الذي كان محتجزا معه وهو يصرخ في الشارع مجسدا حيرة الإنسان العربي من السلطة التي تحكمه ولا تفهمه:

  -"يا ناس.. طيب افتح الشباك وإلا أقفله!".

وحينها يتخلص رئيس الحي من تردده وتوافقيته ويصرخ بدوره:

-افتحوا الشبابيك.. افتحوا الشبابيك.. افتحوا الشبابيك!

المفارقة أن انتكاسة الربيع العربي حدثت بسبب وعي الثوار بأهمية فتح الشبابيك لأن الدولة العميقة كانت لهم بالمرصاد، وتعرف خطورة ذلك فأغلقت عليهم كل نافذة!
___________
* كاتب صحفي يمني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة