الفساد بالعراق يمتص دماء المعتقلين وذويهم   
الاثنين 1433/2/22 هـ - الموافق 16/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:56 (مكة المكرمة)، 8:56 (غرينتش)

ذي غارديان: المسؤولون يعرضون المعتقلين للتعذيب ويبتزون أهاليهم (الفرنسية-أرشيف)

"ابنكم يتعرض للتعذيب، سيموت إذا لم تدفعوا رشا"، هكذا كان عنوان تقرير صحيفة ذي غارديان البريطانية التي رصدت فيه حالات الفساد المستشري في أوساط المسؤولين العراقيين الذين يبتزون أهالي السجناء والمفقودين.

وتناولت الصحيفة قصة أم حسين التي تعلق على جدران غرفتها صور أربعة من أبنائها مزخرفة بأطر من الورود الخضراء لأنها تحسبهم في عداد الموتى.

ولدى أم حسين (نحو 60 عاما) في بغداد ستة أبناء، قتل واحد منهم على أيدي "متمردين" عام 2005، وخطف ثلاثة منهم أثناء خروجهم للبحث عن عمل من قبل مليشيات شيعية.

وتعيش الآن مع ابنتها وآخر ما تبقى من أبنائها ياسر الذي دفعت من أجل تحريره من الاعتقال الملايين من الدنانير العراقية.

وكان ياسر قد اعتقل عام 2007، ولم تسمع والدته شيئا عنه لمدة ثلاث سنوات، فاحتسبته ميتا حتى تلقت ذات يوم اتصالا من ضابط يعرض عليها زيارته مقابل رشوة، فاضطرت الأم إلى الاقتراض من الجيران للتوجه إلى السجن.

وتقول أم حسين "انتظرنا حتى جاؤوا به، فكانت يداه ورجلاه مقيدة بسلاسل حديدية كالمجرم. لم أعرفه من جراء التعذيب. فصرخت أروح لك فدوة (أفديك بنفسي)، وتناولت التراب من الأرض وأخذت أعفره على رأسي، إلى أن أخرجوني جرا ولم أره ثانية".

وقالت لمعتقليه: "أنا خسرت أربعة، فلا أريد أن أخسره".

وبعد أيام اتصل بها ضابط يطلب رشوة للإفراج عنه ويذكرها بأنه يتعرض للتعذيب، وكلما وافقت على مبلغ طلب المزيد، فبعدما كان مليون دينار عراقي (نحو 1000 دولار) ارتفع إلى مليونين ثم إلى خمسة وهكذا.

وجاء آخر اتصال في ديسمبر/كانون الأول عندما طلب المسؤولون رشا، حيث كانت أم حسين قد دفعت حتى ذلك الوقت نحو تسعة ملايين دينار عراقي.

وطلب المتصل 3000 دولار، ولكنه خفضه -بعد توسل الأم- حتى استقر عند ألفي دولار، وتسلم رجل أمن المال في مكان اتفق عليه وخرج ياسر بعدها بيومين، رغم أن القاضي كان قد أمر بإخلاء سبيله قبل ستة أشهر.

ذي غارديان:
قصة ياسر تعد جزءا من الأدلة التي تشير إلى أن المسؤولين الأمنيين يقومون بشكل ممنهج باعتقال الناس بتهم ملفقة وإخضاعهم للتعذيب لابتزاز عائلاتهم من أجل إطلاقهم

ابتزاز ممنهج
وتقول الصحيفة إن قصة ياسر تعد جزءا من الأدلة التي تشير إلى أن المسؤولين الأمنيين يقومون بشكل ممنهج باعتقال الناس بتهم ملفقة وإخضاعهم للتعذيب لابتزاز عائلاتهم من أجل إطلاقهم.

وتشير إلى أن الفساد المزمن في العراق خلق صناعة جديدة، حيث يقوم المسؤولون الأمنيون الكبار بشراء مناصبهم في بعض المناطق عبر تقديم رشا للمسؤولين السياسيين، ويدفع صغار الضباط رشا شهرية لمسؤوليهم لما يجنونه من ابتزازات مالية من أهالي المعتقلين.

وفي جولتين قامت بهما ذي غارديان إلى بغداد قبل وبعد الانسحاب الأميركي في 18 من الشهر الفائت، أجرت لقاءات مع 14 معتقلا وخمسة ضباط في مناطق مختلفة من بغداد.

وأكد جميع المعتقلين أنهم دفعوا أموالا مقابل الإفراج عنهم رغم تبرئة المحاكم ساحتهم.

وكان بعضهم قد اعتقل لثلاثة أيام، والبعض الآخر -مثل ياسر- لخمس سنوات، وفي حالات ثلاث قام الضباط بتغيير اعترافات المعتقلين -وغالبا انتزعت تحت التعذيب- مقابل المال.

وحتى إن الإفراج عن المعتقلين لا يعني النهاية، بل إنهم -وفق أحد الضباط- يتعرضون للاعتقال مجددا، لأن عائلاتهم التي دفعت من أجل إطلاق أبنائها باتت تشكل هدفا سهلا للابتزاز.

التعذيب
يقول ياسر إنه تعرض للتعذيب المستمر الذي كان يبدأ في منتصف الليل حتى الصباح، مشيرا إلى أن المعتقلين يعلقون ويضربون بأسلاك غليظة على الأرجل والكلى.

وتنقل الصحيفة عن معتقل آخر خرج من المعتقل بعد أن دفع نحو 7000 دولار قوله إنه اعترف تحت التعذيب بسلسلة من الجرائم والاغتيالات.

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن المسؤولين يستخدمون الإفادات الملفقة لابتزاز أهاليهم ماليا مقابل الإفراج عنهم وتخليصهم من التعذيب والحكم على اعترافاتهم المنتزعة.

وعن سر القيام بالتعذيب في الليل، قال أحد الضباط الذي يدعى رفيق إن منظمات حقوق الإنسان تقوم بزيارة السجون أثناء النهار.

عقيد في الأمن:
المرء يحتاج إلى دفع 3000 دولار لشراء منصب رئيس في الأمن أو الجيش بمنطقة معينة لمدة عام، لذلك تحتاج إلى استعادة المال من الابتزاز، فالأمر ضرب من الاستثمار

استثمار
والتقت الصحيفة أيضا عقيدا في جهاز الأمن يوضح كيف أن الفساد المستشري أسفر عن خلق قطاع صناعي من ابتزاز المعتقلين الأبرياء وعائلاتهم، وقال "كل شيء في هذا البلد للبيع، وكل منصب في الحكومة للبيع".

ويشير إلى أن المرء يحتاج إلى دفع 3000 دولار لشراء منصب رئيس في الأمن أو الجيش بمنطقة معينة لمدة عام، "لذلك تحتاج إلى استعادة المال من الابتزاز، فالأمر ضرب من الاستثمار".

ويشرح أحد مرؤوسي العقيد كيف يقوم القائد بشراء منصبه من السياسيين أو القائد الأعلى، ثم يقوم بتأجير منصب التحقيق لضباط صغار مقابل أموال تبدأ من 1000 دولار حتى 15 ألفا شهريا، حسب المنطقة.

ويقول إن المنطقة السنية تتطلب أموالا أكثر، في حين تكون الرشا قليلة في المناطق الشيعية، لأن معظم الاعتقالات تتم في المناطق السنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة