قرطبة تنبعث في الرباط ذاكرة أندلسية   
الأحد 13/6/1435 هـ - الموافق 13/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:58 (مكة المكرمة)، 10:58 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

إلى الرباط، عاصمة المغرب الذي احتضن واحدة من أهم تدفقات الموريسكيين هربا من التنكيل والتنصير بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، واحتفظ بمخزون حضاري مادي ولامادي هام من الإرث الأندلسي التليد، حطت مؤسسة البيت العربي رحالها مقترحة رصيدا فوتوغرافيا غنيا من معالم قرطبة، المدينة الأيقونة التي تجسدت فيها روح تجربة حضارية خالدة.

قرطبة مدينة بذاكرة عريقة، تضرب إلى ما قبل الحضور العربي الإسلامي، وتمتد إلى ما بعد غروب شمس العرب في شبه الجزيرة الأيبيرية.

غير أن مؤسسة البيت العربي بإسبانيا، وانطلاقا من مهمتها الثقافية والبحثية والتوعوية بذاكرة إسبانية عربية مشتركة، تقترح من خلال المعرض الذي يحمل عنوان "من قرطبة إلى كوردوبا" التركيز على توثيق بصري لأهم المعالم التي جسدت إشعاع الحاضرة وتحولاتها العمرانية في العهد الأندلسي.

بالمعرض صور ذات بعد تاريخي استرجاعي وآخر فني تشكيلي، إذ التقطت عينات عمرانية ووشحتها بجماليات تصويرية تحاكي أسطورة المكان وعبقرية البناء الحضاري في المدينة

صور الماضي
على جدران المعهد الإسباني بالرباط "ثيربانتيس" تتجاور صور ناطقة لتصنع صورة متكاملة عن ذخائر عمرانية تحكي قصة المدينة، مجدا وأفولا، عبر تعاقب مراحل التاريخ الأندلسي، وتأخذ الجمهور في رحلة عبر الزمن تستعيد فصلا من حكاية كتبت على ضفتي المتوسط.

مبادرة المعرض انطلقت بداية من قرطبة ذاتها، حيث أطلقته المؤسسة في أبريل/نيسان 2012 بمشاركة لمواطنيها، في احتفالية جماعية تهدف وفق المدير العام للبيت العربي إدواردو لوبيث بوسكيتس إلى إعادة تقييم الإرث الإسلامي المتنوع والغني في هذه المدينة، المنتمي إلى الحقبة الأندلسية.

وتبرز هذه القافلة الفوتوغرافية التي ينتظر أن تجوب عبر شهور عدة مدن مغربية (الرباط، الدار البيضاء، مراكش، تطوان، طنجة، فاس) مجموعة متنوعة من التفاصيل الزخرفية الشاهدة على روعة ماضي المدينة.

ووفق بوسكيتس، فإن جمع هذه العينات يسلط الضوء على الآثار الرمزية والأبواب والأبراج والمنارات والحمامات، بما في ذلك أمثلة عن الفن المدجن، بكونه آخر نمط معماري في شبه الجزيرة الأيبيرية، متأثرا بالأندلس ومستوحى منه.

إنها صور ذات بعد تاريخي استرجاعي من جهة، وآخر فني تشكيلي من جهة أخرى، إذ التقطت عينات عمرانية ووشحتها بجماليات تصويرية تحاكي أسطورة المكان وعبقرية البناء الحضاري في المدينة.

وقرطبة التي أعلنت عام 1994 إرثا إنسانيا معروفة عالميا بماضيها العربي الإسلامي، لكنها كانت من قبل رومانية فـبيزنطية فـقوطية غربية، ثم توصلت في عهد الأمويين إلى درجة من التنمية المعمارية والثقافية جعلت منها إحدى المدن الأكثر أهمية في العالم، وتشهد على ذلك معالم معروفة بروعتها كالمسجد/الكاتدرائية والمجمع المعماري لمدينة الزهراء، وهي أمثلة بارزة عن جماليات المعمار العربي في إسبانيا.

 قرطبة شكلت واحدا من أهم المراكز الحضرية بالعالم العربي في القرن التاسع (الجزيرة)

مدينة العالم
وفي إضاءة تاريخية لمحتوى المعرض الفوتوغرافي، يبرز الباحث الإسباني بجامعة قرطبة رافائيل بلانكو غوثمان، مسار المدينة التي تحولت في أعقاب فتح المسلمين عام 711  من كونها مكانا ثانويا في شبه الجزيرة الأيبيرية إلى مركز لها بوصفها عاصمة الأندلس.

ويتوقف غوثمان عند أواسط القرن الثامن حينما فر الأمير الأموي عبد الرحمن الأول من المشرق إلى الأندلس، حيث أسس بقرطبة إمارة جديدة مستقلة (756 م) وبنى فيها القصر الأموي والجامع الكبير والرصافة.

وانتقل الباحث الإسباني إلى مرحلة أخرى (840-848 م) قام خلالها عبد الرحمن الثالث بإعلان خلافة قرطبة الأموية، وكان من ثمار هذا التغيير السياسي والديني النمو الحضري المضطرد للمدينة لتصبح واحدا من أهم المراكز الحضرية في العالم، لا نظير له على مدى قرون عدة سواء في أوروبا أو في الغرب الإسلامي.

ويرصد غوثمان تراجع مكانة المدينة بتداعي خلافة بني أمية مطلع القرن الـ11 إثر فتنة أدت إلى تمزق الأندلس إلى ممالك متعددة، بحيث عانت قرطبة بشدة ويلات تلك الحروب الأهلية.

أما الضواحي ومدينة الزهراء والزاهرة فقد نُهبت ومُحقت، وغدت المدينة الأموية العظيمة في القرن الـ11 في جزئها الأكبر كوم خرائب وأطلالا هائلة، وإن استأنفت فصولا من مجدها في مراحل لاحقة في عهد الموحدين خصوصا، لتكون مهد إشعاع فيلسوف كبير من حجم ابن رشد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة