سياسيون عراقيون.. من سجون صدام إلى رحم المجهول   
الخميس 1/3/1424 هـ - الموافق 1/5/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)
السجناء العراقيون الذين أطلقهم صدام حسين كانوا أوفر حظا من السياسيين الذين لم يشملهم العفو والذين ظل مصير معظمهم مجهولا (أرشيف - رويترز)

أحمد فاروق- بغداد

فرضت قضية مصير السجناء السياسيين نفسها بوصفها قضية اجتماعية على المشهد العراقي بعد انهيار حكومة الرئيس صدام حسين, إلا أن المسألة لم تخل من الأبعاد الأمنية في ظل الظروف الراهنة للعراقيين.

ففي أحد مباني الاستخبارات العراقية بكورنيش الأعظمية ببغداد يقع مقر جمعية السجناء الأحرار في العراق، وهي جمعية تأسست عقب انهيار حكومة صدام للبحث في مصير السجناء السياسيين وكشف مصير الأسرى الكويتيين.

ويخضع المبنى لحراسة مشددة للغاية وكأنه مازال مقرا للاستخبارات العراقية, فالوجوه فقط هي التي تغيرت. وفي مدخل المبنى وواجهته يوجد زخم من الحالات الإنسانية التي تصلح كل واحدة منها موضوعا لقصة صحفية.

لكن المسؤولين في هذه الجمعية أرادوا حرماننا من ذلك برفضهم السماح للجزيرة بإجراء تحقيق عن الجمعية بزعم أنها قناة غير موضوعية. وقام حراس مسلحون بمرافقتنا إلى خارج المبنى بعد أن تلقوا أوامر مباشرة أمامنا بمنعنا حتى من إجراء مقابلات مع أسر هؤلاء السجناء.

سجناء عراقيون يركضون خارج سجن أبو غريب عقب عفو عام أصدره صدام (أرشيف - رويترز)
ولعل أكثر المشاهد إيلاما كان في حديقة المبنى, فقد شاهدنا تزاحم أسر الضحايا على قوائم بأسماء السجناء للتعرف على مصيرهم. أما الصدمة الكبرى فهي عندما يخبرهم مسؤولو هذه الجمعية أن من تتلهف قلوبهم لمعرفة مصيرهم قد أعدموا من قبل سلطات الحكومة المنهارة.

وقد علمت الجزيرة أن مسؤولي هذه الجمعية الذين لم تعرف هوياتهم أو إلى أي جهة ينتمون قد حصلوا على سجلات وملفات أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية ويديرون عن طريقها عملهم الذي مازال حتى الآن يقتصر على تلقي طلبات وإعداد قوائم السجناء والمفقودين.

ولذلك امتلأت إحدى غرف المبنى بمجلات وملفات غير مرتبة في حين تكدست قوائم أخرى وعلقت إعلانات بشأن مواعيد الكشف عن مصير السجناء بحسب السنوات، فمثلا المفقودون منذ عام 1991 سيتم الكشف عن مصيرهم منتصف مايو/ أيار الجاري، وقد تكون المعلومة الموجودة عن السجين المفقود مجرد تأكيد من زميل له عن آخر مرة شاهده فيها في السجن أو الزنزانة.

مع ذلك توجهنا إلى مقر لمجموعة كبيرة تطلق على نفسها "جبهة المعتقلين السياسيين العراقيين" حيث وجدنا للقضية جانبا آخر يغلب عليه الطابع السياسي وهو السجناء السياسيون الذين خرجوا بالفعل بعد سنوات سجن طويلة ويبحثون عن دور لهم في المجتمع العراقي.

وكان مقر الجمعية مكتظا بالزوار، وهي برئاسة اللواء الطيار الركن عبد الله حميد المياحي. وتقع هذه الجبهة التي تأسست حديثا بعد انهيار حكم صدام في أحد مباني الدولة التابعة للأجهزة الأمنية السابقة في شارع أبو نواس. ويبدو أن مباني الأمن والاستخبارات أصبحت المكان المفضل لكل من يتابع قضية السجناء السياسيين في عهد صدام.

وقد حكم على المياحي بالإعدام وخفض إلى السجن المؤبد عام 1996 بعد إدانته بقيادة محاولة انقلاب ضد الرئيس صدام حسين حيث كان وقتها آمر سر القاصفات الخامس، وأحبطت محاولته قبل أيام قليلة من تنفيذها. ويقول المياحي إن الجبهة تضم كل من سجنوا في ظل حكم الرئيس السابق من عسكريين ومدنيين وعانوا من التعذيب والذين يزيد عددهم عن 4500 سجين، ويضيف أنه منذ أن انتشر نبأ تشكيل الجبهة وحتى الآن بلغ عدد المسجلين ما يزيد على 250 شخصا.

وعن مطالب الجبهة أكد المياحي أنهم أحق من يمثل الشعب العراقي في المؤتمر الذي ترعاه الإدارة الأميركية المؤقتة بقيادة الجنرال المتقاعد جاي غارنر وليس المعارضة التي في الخارج التي لم تذق طعم المعاناة داخل السجون وما لحق بأسرهم وأقاربهم لمجرد رفضهم القبول بالنظام ومحاولاتهم التخلص منه، وأكد عدم معارضته لوجود القوات الأميركية في الوقت الراهن.

الترقب واللهفة باديان على وجوه عائلات المساجين التي تنظر خروج المشمولين بقرار العفو (أرشيف - رويترز)
وطالب المياحي الذي أطلق سراحه في العفو العام الذي أصدره صدام حسين في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي القوات الأميركية بإعادة الخدمات الضرورية للبلاد من كهرباء ومياه وخدمات بلدية والسيطرة على الأمن الداخلي وتشكيل حكومة مؤقتة وإعادة الموظفين إلى دوائرهم باستثناء قوات الأمن وأجهزة المخابرات وقيادات الجيش، هذا بالإضافة إلى توزيع الرواتب للموظفين والبطاقات التموينية تحسبا لاستمرار أعمال النهب.

وشدد أيضا على ضرورة بناء جيش يكون مستقلا عن القيادة السياسية، وأشار إلى النموذج التركي مثالا. وتحدث عدد من الموجودين عن معاناتهم التي تركزت على ما تعرضوا له من تعذيب قاس في سجن المخابرات ومعتقل أبو غريب المخصص للمساجين السياسيين.

ويقول العميد الركن غسان ثامر وهو من ضباط الحرس الجمهوري إن زوجته أصيبت بجلطة دماغية وفقدت على أثرها البصر عقب اعتقاله، وإن ابنه لم يستطع الالتحاق بالكلية العسكرية لأن والده محكوم في "قسم الأحكام الخاصة"، وهو مصطلح استعيض به عن المعتقل السياسي.

وأضاف أن ابنته عندما تقدمت لأحد المعاهد كان لا بد لها من أن تملأ استمارة تبين إذا ما كان أحد أقاربها من الدرجة الثالثة محكوم عليه بأحكام خاصة أم لا. وأضاف أن جميع أمواله غير المنقولة (الأملاك) وحساباته البنكية وسيارته قد صودرت واضطرت عائلته لبيع جميع أثاث البيت للتدبير أمور حياتهم، كما لم تصرف البطاقة التموينية للعائلة.

مواطنون عراقيون يتظاهرون قرب فندق فلسطين ببغداد للمطالبة بكشف مصير ذويهم (رويترز)

وقال فؤاد نعيم مرزوق (69 عاما) الذي خرج من السجن في العفو الذي صدر العام الماضي بعد أن أمضى 20 عاما، إن التهمة التي لفقت له هي التخابر مع دولة أجنبية مقابل الحصول على مشروبات ومأكولات، مشيرا إلى أن طبيعة عمله بصفته مالكا لأحد المطابع المتعاملة مع بعض الفنادق تطلبت منه الاتصال بهذه الفنادق.

وأوضح أنه عندما خرج لم يجد مسكنه الذي صودر مع سيارته وأرصدته البنكية ومعمل صغير لصناعة أعواد الأسنان. وأكد أنه لا يملك حاليا في منزله المستأجر من أثاث سوى موقد الطبخ بعد أن اضطرت عائلته لبيع جميع محتويات البيت.

أما أحاديث العراقيين فما زالت تردد عن وجود سجون تحت الأرض لم يتم اكتشافها، والبعض يسارع إلى مراسلي وسائل الإعلام في فندق فلسطين ليؤكد لهم ذلك، ولكن في النهاية تبقى هذه المسألة واحدة من عشرات القضايا التي تفرض نفسها على الساحة العراقية في مرحلة ما بعد الحرب.
ـــــــــــــــ
موفد الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة