بوتين وحلم العودة للمياه الدافئة في المتوسط والأطلسي   
الخميس 1428/11/27 هـ - الموافق 6/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 18:50 (مكة المكرمة)، 15:50 (غرينتش)

 بوتين متفقدا قاعدة غواصات أسطول روسي بالمحيط الهادي في سبتمبر/أيلول (الفرنسية-أرشيف)


عدي جوني

أرسل قرار الرئيس فلاديمير بوتين الأخير بإعادة نشر البحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي أكثر من إشارة ذات دلالات متعددة الأوجه، تكاد تقارب في تفسيرها أن العالم يعود تدريجيا إلى أجواء الحرب الباردة عبر إصرار سيد الكرملين لكسر أحادية القطب على الساحة العالمية.

 

فبعد قراره استئناف طلعات القاذفات الإستراتيجية -الذراع الطولى لروسيا بمخالبها النووية- يأتي دور البحرية الروسية ليكمل الصورة وصولا إلى استعادة أمجاد الأسطول الروسي في عهد الاتحاد السوفياتي في المتوسط والبحار العالية أي المحيطات ومنها المحيط الأطلسي، وكأن بوتين يعيد انتاج الفيلم الهوليودي الشهير عن الغواصة الروسية (نجمة أكتوبر الحمراء) ولكن بسيناريو جديد هذه المرة.

 

لكن السؤال يبقى مطروحا ما إذا كان هذا القرار يشكل فارقا إستراتيجيا جديدا يعيد موسكو إلى المياه الدافئة (الحلم الأبدي للقياصرة الروس) أم أن الأمر لا يتجاوز في مضامينه مناورة سياسية، نظرا إلى رؤية العديد من المراقبين بأن ميزان القوى العسكري لا يزال يقف إلى جانب واشنطن التي تعاني هي الأخرى من كدمات مؤلمة في العراق وأفغانستان لكنها ليست قاتلة.

 

القيمة العملية

يعتقد المراقبون أن القوة البحرية الروسية في وضعها الراهن لا يضاهي ما كانت عليه البحرية السوفياتية من حيث الإعداد والتجهيز ما يفسر قرار بوتين بشأن نشر بحريته في المتوسط والمحيط الأطلسي على أنه "خطوة رمزية".

 

وفي هذا الإطار يقول العميد الركن المصري صفوت الزيات محلل الشؤون العسكرية الإستراتيجية إن المعلومات المعروفة حاليا عن البحرية الروسية تشير إلى امتلاكها 8 غواصات جاهزة من الناحية العملياتية فقط مقارنة بـ42 غواصة بعضها نووي إبان الاتحاد السوفياتي.

 

الغواصة الروسية النووية سانت دانيال موسكو (رويترز-أرشيف)
وأوضح العميد الزيات في تصريح للجزيرة نت أن القرار الروسي يعبر عن رغبة موسكو في أن تكون "شريكا أمنيا في مكافحة الإرهاب" مع بعض الدلالات الإقليمية التي تنحصر في العلاقات الروسية السورية.

 

الزيات يرى أن قرار الرئيس بوتين يعكس وبشكل قاطع عودة الاهتمام بميناء طرطوس على الساحل السوري نقطة لوجستية هامة على صعيد توفير الوقود ومستودعات الأسلحة للبحرية الروسية، لافتا إلى أن (المعنى العملياتي واللوجستي) يتقاربان بشكل متداخل في هذه الحالة.

 

وكشف العميد الزيات عن معلومات أشارت إلى نشر صواريخ إس إس 300 على طول الساحل السوري لحماية هذا الميناء، مشددا في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني بالضرورة العودة بالعلاقات السورية الروسية إلى ما كانت عليه زمن بريجنييف أو أندروبوف في فترة الاتحاد السوفياتي السابق.

 

مصالح إستراتيجية

كذلك لا يختلف مراقبون آخرون مع ما قاله العميد الزيات، لكن مع التنويه بأن البراغماتية السياسية للرئيس بوتين تقف مرادفا دقيقا لقراره إعادة البحرية الروسية إلى المتوسط والأطلسي، معتبرين أن حماية المصالح الروسية هي المقصود في هذه الخطوة وليس نبش مصطلحات الحرب الباردة التي انتهت بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي.

 

وعن هذه النقطة قال المحلل السياسي الخبير العسكري الروسي إيفان سيفرنيشوك للجزيرة نت، إن المصالح الاقتصادية المتنامية لروسيا في حوض البحر الأبيض المتوسط باتت تشكل ركنا لا يستهان به في ألية التفكير الروسية على الصعيد الإستراتيجي.

 

ولفت إلى مشروع الغاز الروسي الذي سيمر انطلاقا من جنوب روسيا إلى أوروبا الشرقية ومنها إلى إيطاليا وبقية دول أوروبا الغربية ما يمنح قرار نشر البحرية صفة تكتيكية محصورة في هذا الإطار لا أكثر.

 

أي وبعبارة أخرى يأتي قرار الرئيس بوتين استعراضا "للقوة والهيبة المستعادة لروسيا" أكثر مما هو رد مباشر على المواقف الأميركية باتجاه أوروبا الشرقية" -في إشارة إلى الدرع الصاروخي في تشيكيا وبولندا- أو إلى نية حلف الناتو للتوسع شرقا في أوروبا وصولا إلى دول الجوار الروسي.

 

أيا كانت الأسباب التي دفعت بالرئيس بوتين لاتخاذ هذا القرار بعد أيام من نجاح حزبه الساحق في الانتخابات البرلمانية وسط أنباء عن كونه سيبقى -حتى بعد نهاية ولايته الدستورية- المحرك الفعلي للسياسية الخارجية، تعتبر هذه الخطوة مثالا إضافيا على أن موسكو نجحت في عكس تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي إلى حركة ارتدادية تأخذ منحى تصاعديا لا يمكن لأحد في الوقت الراهن على الأقل التنبؤ باتجاهاتها.
________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة