جابي: الانقسامية اللغوية أضعفت النخب الجزائرية   
الأربعاء 1436/11/12 هـ - الموافق 26/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 3:39 (مكة المكرمة)، 0:39 (غرينتش)

الخير شوار-الجزائر

عادت "المسألة اللغوية" إلى واجهة الحدث في الجزائر، مع الجدل الذي صاحب فكرة التعليم باللغة الأم (العامية) في الصفوف الابتدائية الأولى، والتي يراها البعض محاولة للانتصار للغة الفرنسية على حساب العربية، وتجدد الحديث عن "الانقسامية اللغوية"، بتعبير الباحث الاجتماعي ناصر جابي في أحد أبحاثه.

وفي هذا الحوار -الذي خص به الجزيرة نت- يعود الدكتور ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، إلى أسباب الظاهرة، وكيف أسهمت في إضعاف النخب الجزائرية.

 تعود المسألة اللغوية مرة أخرى لتصنع أزمة في الجزائر من خلال قضية الدارجة-الفصحى، هل هي حالة مزمنة؟
نعم، من زاوية ما هي أزمة مستحكمة، لأن أصل المشكلة لم يجد حلا حتى مع الوقت، بل يمكن أن أقول إن الأزمة يعاد إنتاجها بعد الاستقلال بواسطة مؤسسات الدولة الوطنية نفسها ونخبها، وإلا كيف نفسر أن يدرس الطالب كل حياته مثلا بالعربية عندما يكون طالبا في العلوم الدقيقة والرياضيات، وعندما يريد أن يتوجه إلى الجامعة يطلب منه أن يتعلم بلغة أخرى، وهي الفرسية التي لم يدرسها إلا بشكل خفيف جدا.

الطلب نفسه يوجه للطالب الجامعي المتخرج الذي درس بالعربية، والذي نطلب منه التعامل في المؤسسة الصناعية والإدارة وغيرهما من مؤسسات الشغل باللغة الفرنسية عندما يتخرج، لغة لا يحسنها، ولم يتعلمها أصلا بالنسبة للفئات الشعبية في الجنوب على سبيل المثال، وتخيل النتائج المترتبة على هذا الوضع اللغوي المريض، خذ مثلا الفضائح التي تظهر عند كتابة الوثائق الرسمية بما فيها الأسماء.

بل إن المواطن مطلوب منه أن يستمع إلى رئيس -عندما كان قادرا على الكلام- يحدثه بالفرنسية في قضايا حساسة ويومية، أو بلغة عربية لم يعد أي إنسان على الأرض لا في المغرب ولا في القاهرة يستعملها.


تبدو "الانقسامية اللغوية" -كما تسمّونها- عميقة بالفعل في الجزائر، إلى درجة وجود "مجتمعين متوازيين" كما يذهب البعض، إلى أي حد توافق على هذا؟
الانقسامية التي تكلمت عنها في دراستي خفّت نوعا ما مع الفئات صغيرة السن، لكن الأجيال الكبيرة التي تسيطر على مؤسسات القرار السياسي والاقتصادي هي التي تعيد إنتاجها الموسع في الكثير من الأحيان.

إنها لا زالت حاضرة، وتفسر الكثير من المواقف لدى الفرد والمؤسسة، تخترق السياسي والإيديولوجي والفكري، مثلها مثل الجهوية في الجزائر.

فاليساري يمكن أن يتماهى مع مواقف أقصى اليمين اعتبارا لهذه الانقسامية، والمتدين المحافظ بل والرجعي يمكن أن يكون قريبا جدا مع البعثي اللاديني عندما يتعلق الأمر بالقضايا اللغوية والثقافية.

الأكيد أن ظاهرة الانقسامية أضعفت النخب الجزائرية في علاقاتها بالشعب والمواطن وزادت من حدة عدم فعاليتها.

قضايا اللغة وانقسامهم حولها لا زالت تتحكم في مواقف الجزائريين والجزائريات، رغم ادعاءات البعض العكس، ويمكن أن نلاحظ هذه القراءة اللغوية للحياة السياسية والفكرية يوميا وبالعين المجردة.

   يجمع الكل على أن جذور الظاهرة تعود إلى زمن الاحتلال الفرنسي، فكيف تجذّرت هذه الظاهرة بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال؟
 

لكن يجب القول إن الدولة الوطنية ونخبها ومؤسساتها هي التي تقوم بإعادة إنتاج هذه الانقسامية التي حولت الدولة الوطنية إلى قطاعات وليست دولة واحدة

نعم، ما ميّز الاستعمار الفرنسي في الجزائر أنه مصدر هذه الانقسامية، فالجزائر هي الدولة العربية الوحيدة -إذا استثنينا فلسطين- التي تعرضت إلى استعمار استيطاني طويل حطّم مؤسسات المجتمع وبنيته الثقافية الضعيفة أصلا.

لكن يجب القول إن الدولة الوطنية ونخبها ومؤسساتها هي التي تقوم بإعادة إنتاج هذه الانقسامية التي حولت الدولة الوطنية إلى قطاعات وليست دولة واحدة، وهو ما جعلني أتحدث عن القطاعية في دراستي التي تجعل جزءا من الدولة لا يتمتع بالشرعية في عيون كل الجزائريين بالدرجة نفسها.

  إلى أي حد أسهمت الظاهرة في تراجع الإنتاج الفني والثقافي في البلاد؟
أكيد أضعفته نوعيا، كما أضعفت تأثير المثقف وقسم الإنتاج الضعيف أصلا.

باختصار، أريد أن أقول إننا في الجزائر لا نملك إنتاجا ثقافيا وطنيا، ولا مثقفا وطنيا واحدا معترفا به على هذا الأساس.

فمؤرخ مثل سعد الله ليس مؤرخا وطنيا بهذا المعنى، لكنه مقبول من قبل كل الجزائريين، فهو في جانب كبير مؤرخ المعربين الذي يستمعون لآرائه ويدافعون عنه.

في المقابل، محمد حربي ليس مؤرخا لكل الجزائريين، فهو مؤرخ لدى القسم الفرنكفوني من النخبة التي تدافع عنه وتستشهد به، بغض النظر عن مواقفه السياسة في الكثير من الأحيان.

قراءات الجزائريين تتميز بانقسامية كبيرة، وهو ما يجعل الكتّاب مهتمين كثيرا بالترجمة لأن المعرب يُعتقد أنه مظلوم لأن كتبه لا تقرأ من قبل النخبة "المفرنسة" (التي درست بالفرنسية) صاحبة الحل والربط في البلاد.

والمفرنس يظن من جهته أن "الشعب" لا يطلع على ما يكتب لأنه بالفرنسية ولابد أن يترجمه إلى العربية.

 لقد نجحت السلطة السياسية طويلا في تسيير الحالة واللعب على هذه التناقضات واستثمارها، فهل يمكن أن ينقلب الأمر وتختّل تلك التوازنات؟
أحسن من استعمل هذه الانقسامية اللغوية بما أنتجته من قطاعية للدولة هو الرئيس بومدين، ربما لخصائص تميز مساره.

فهو "أزهري" تعلم الفرنسية لاحقا، وأعجب بها وبمن يمثلها من نخب، عكس المعربين الذين أحس بأن بومدين كان لا يرتاح إليهم وينظر إليهم نظرة دونية، ربما لمعرفة من الداخل بهم، وتعبيرا عن نوع من العقدة التي لازمت هذا الرئيس الريفي الفقير الذي وصل بمجهوده الخاص إلى قمة السلطة.

بوتفليقة حاول كسر هذه الانقسامية، لكن سقوطه في فخ الجهوية جعله غير قادر على تجاوزها، رغم أن المجتمع الجزائري في وقته تطور وكان يمكن الانطلاق في حل مشاكلنا الثقافية والسياسية العميقة

الرؤساء الذين جاؤوا بعد بومدين فشلوا في تسيير هذه الانقسامية لاعتبارات كثيرة.

فالشاذلي لم يكن فاهما أصلا الموضوع، وكافي كان متحيزا للطرف المعرب، وبوتفليقة حاول كسر هذه الانقسامية، لكن سقوطه في فخ الجهوية جعله غير قادر على تجاوزها، رغم أن المجتمع الجزائري في وقته تطور، وكان يمكن الانطلاق في حل مشاكلنا الثقافية والسياسية العميقة.


 بعض المثقفين عبر مواقع التواصل الاجتماعي يطرحون فكرة "المصالحة اللغوية"، فهل الأمر ممكن في السياق الحالي؟ 
اعتقد أن الأمر يتطلب حلولا جدية طويلة المدى، تنطلق من المدرسة، وتحل على مستوى الأجيال القادمة، وليس على فيسبوك، فالأمر أكثر جدية من هذه الحلول الصبيانية.

  ومن المستفيد من هذه "الانقسامية" المتجددة؟
الانقسامية التي تميز النخبة والقطاعية التي تميز الدولة تتضرر منها الجزائر، والكثير من أسباب أزماتنا السياسية وفي مجال التسيير وتصورات الحلول بالنسبة للمستقبل سببها المباشر هذه الانقسامية وهذه القطاعية.

وضع يجعل الدولة ومؤسساتها في حالة شلل وتضارب، بل وحرب أهلية داخلية بين المؤسسات والنخب عند طرح أي موضوع أو اتخاذ أي قرار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة