مواطن ومخبر وحرامي.. فيلم جديد لداود عبد السيد   
الخميس 1422/9/28 هـ - الموافق 13/12/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

يتحدث فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" من تأليف وإخراج داود عبد السيد عن تحالف طبقات مختلفة تعتبر رموزا للفساد وتخريب المشروع التنويري للطبقة المتوسطة التي استكانت لأحلام الثراء السريع على حساب أفقها الإنساني المستنير، متحولة إلى خادم مطيع لسلطة تساهم في استلاب حرية المجتمع والمواطن.

ويأتي الفيلم السابع للمخرج عبد السيد ضمن سياق تجربته مع أفلامه السابقة -خصوصا فيلم "أرض الخوف"- المسكونة بهواجس المجتمع والتنوير في سبيل مجتمع أكثر عدالة وحرية عبر إعادة قراءة وتشكيل الواقع القائم بقصد فضحه تمهيدا لإنارة الطريق نحو التشكيل الجديد الذي يحلم به.

ويركب عبد السيد عالم فيلمه الجديد باختيار رموز يعبر من خلالها عن أفكاره بنماذج تمزج بين المواطن "خالد أبو النجا" والمخبر والحرامي فيمثل أولهم الطبقة المتوسطة التي بدأت مستنيرة لكنها تنازلت عن مشروعها.

أما المخبر "صلاح عبد الله" فهو رمز للسلطة بحيث ارتقى موقعه ليشكل حاميا ومستفيدا وصانعا أساسيا لمسألة الفساد التي يدور حولها الفيلم, وذلك بنيله عضوية البرلمان، في حين يشكل الحرامي "شعبان عبد الرحيم" المحب للغناء الهابط وقراءة الروايات البوليسية رمزا لثروة غير مشروعة لكونها تدعم الأسس المادية لتحالف غير مقدس بين الثلاثي, وتجسد هذا الأمر عبر تحوله إلى قمة اجتماعية تحظى بالتقدير وقيادة الحياة الثقافية.


الخط الدرامي للفيلم يقدم نماذج المواطن والمخبر والحرامي بنوع من السخرية السوداء رابطا تطور علاقاتهم خلال عشرين عاما حدد المخرج بدايتها عام 1980, أي قبل حادثة اغتيال الرئيس المصري الراحل
أنور السادات
وقدم الخط الدرامي للفيلم هذه النماذج بنوع من السخرية السوداء رابطا تطور علاقاتهم خلال عشرين عاما حدد المخرج بدايتها عام 1980, أي قبل حادثة اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وعرض الفيلم مساء الأربعاء في حفل خاص تمهيدا لعرضه على الشاشات ضمن أفلام عيد الفطر.

واستخدم المخرج صوت الراوي في تقديم الرواية والتعليق عليها دون إظهاره تعبيرا عن حياديته واعتبار أحداث الفيلم واقعا موضوعيا بعيدا عن اجتهادات المؤلف المخرج وأداة لتفسير ما يجري للمتلقي من أجل فهم فنتازيا الفيلم.

يعيش "المواطن" حياة الطبقة الوسطى بالاتكال على ما ورثه, بصخب مع من حوله، مستمتعا بالموسيقى والقراءة بلغات عدة, موظفا ثقافته بكتابة رواية ترمز إلى صياغة مشروع تنويري كحصيلة لهذا التنوع.

ويحصل تعارف بين "المواطن" و"المخبر" إثر سرقة سيارة الأول, وتتوثق العلاقة بينهما لدى عثور ابن المخبر على وظيفة من تلقاء ذاته واعتقاد والده أن "المواطن" ساعد في ذلك, فيقوم بتأمين خادمة للأخير (الفنانة التونسية هند صبري) تصبح حلقة الوصل بين الثلاثي.

وتلعب الخادمة دور عشيقة "الحرامي" الذي يقضي عقوبة في السجن, لكنها تصبح عشيقة للمواطن الذي سرعان ما تتخلى عنه بعد أن قامت بسرقة الأموال وما كتبه من الرواية فور خروج الحرامي من سجنه. وقد مهد ذلك للقاء ثلاثي ضمن إطار الصراع الذي يحاول المخبر السيطرة عليه باسترجاع المسروقات.

ويريد "المواطن" استرجاع مشروعه التنويري ويقوم "الحرامي" بدور الرقيب على الرواية ضمن منظور ديني وأخلاقي، ويتوسط "المخبر" بين الاثنين لخلق حالة من التراضي بينهما ضمن مشهد ساخر تتفكك فيه الثقافة ويتم تسطيحها من خلال النقد غير المترابط الذي يمارسه الحرامي بحق الرواية.

وتتطور الأحداث إثر اعتقال "المواطن" بسبب اقتلاعه عين "الحرامي" الذي أحرق الرواية بعد إنهائها, فتصالحا والتقيا على باب الخادمة مقدمة لتثبيت العلاقة بينهما فيجدد المواطن كتابة رواية أخرى ينشرها له الحرامي بعد إعرابه عن رضاه حيالها. ويعني ذلك تنازل الطبقة المتوسطة عن مشروعها التنويري وإخضاعه لطبقات مستحدثة تبحث عن ثقافة سطحية تساندها وتبرر ثروتها غير المشروعة في وقت تدعم فيه مثل هذه الثقافة.

وبينما يصبح الحرامي "الدينامو" المحرك للثلاثي ويتزوج من عشيقة المواطن الثرية, يتحول المثقف إلى صوفي متدين متزوجا من عشيقة الحرامي ويتبادل معه أحيانا حنينا إلى الماضي. أما المخبر فصار نائبا في البرلمان تتحلق حوله مجموعات كبيرة من النساء الجميلات. ويغلق عبد السيد الأفق أمام جيل المستقبل من خلال زواج ابن الحرامي من ابنة المواطن رغم رفض الأخير الذي حاول أن يبحث عن مخرج آخر، إلا أن الولدين يحسمان الموقف باستمرار تحالف الفساد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة