ستار كاووش.. فنان يأسره اللون   
الخميس 8/4/1433 هـ - الموافق 1/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:09 (مكة المكرمة)، 11:09 (غرينتش)
لوحة من أعمال الفنان العراقي ستار كاووش (الجزيرة)
وارد بدر السالم
 
ستار كاووش فنان من طراز عراقي خاص، لا يشبه غيره ولا يتشبه بأحد إلا بما تخثر فيه من لون أول وطين أول، هو بالنتيجة تراكمات طفولية وشبابية لقراءات ورؤى بَصَرية دامت واستدامت في خطوات هذا الفنان الصاعد إلى مرتقى الآخرين عالميا، فإذا كانت بغداد أطلقته إلى مثل هذا الفضاء القزحي، فإن الغربة فرشت أمامه كل شيء، ولعل محطته الهولندية الأثيرة هي بيته الواسع في احتضان تجربته الفريدة في عالم الرسم.

هذا الشاب المأسور باللون تحول هو نفسه إلى قطعة فنية من أفكار ورؤى وأحلام وطموحات ومحاولات ومن ثم نجاحات باهرة اعترف بها الآخرون قبلنا. فنحن لا نعرف كيف نكون أوفياء مع مبدعينا..! جاءنا ستار كاووش من الخارج هذه المرة، بعدما غادرنا من الداخل عصفورا ملونا بقمصانه المخططة، بقي الرسام وجاءت لوحاته مكتملة البناء، قوية وساحرة.
 
يرى كاووش أن اللوحة مثل المرأة، فمجرد إعجابك بامرأة جميلة لا يصنع منك عاشقا، بل عليك أن تعرف كيفية الدخول إلى قلبها أولا، تستخدم كل حيلك الجميلة كي تجعلها تحبك، كذلك اللوحة الجميلة تستخدم كل حيلها كي تكون بعيدة عن الرسام العابر وغير الحقيقي، وإضافة إلى ذلك -كما يقول- فإن "كل المشاكل واللحظات المؤلمة التي يمكن أن تمر بي أنساها تماما وأنا أهمّ بالدخول إلى المرسم، أخلعها مثل رداء قديم وأنا أبدأ برسم لوحة جديدة. لوحاتي هي ملاذي، هي صندوق الدنيا الذي أخبئ فيه طفولتي وفرحي وألعابي القديمة".
 
ستار كاووش: أعمالي الفنية ليست محاكاة للواقع ولكني أهتم بمناخ اللوحة والأجواء التي تحيط بها (الجزيرة)
ملاذ اللوحة
ومن هذا الملاذ الرسمي الجياش يفسر كاووش طريقته في الرسم. يبدأ برسم مجموعة تخطيطات أولية على الورق ثم يفرشها على أرضية المرسم ليختار منها اثنين أو ثلاثة ويبدأ بتقليبها وإعادة صياغتها لتتلاءم مع رؤيته الفنية، ثم يحصل على تخطيط نهائي ليباشر العمل بعدها على قماشة الرسم.

يبدأ كاووش عادة برسم لوحة جديدة في الصباح، حيث يقضي ما يقارب ثماني ساعات كل يوم في المرسم حتى الإطارات يصنعها بنفسه كما يقول، ويلونها لتتلاءم مع مناخ اللوحات، حيث يقضي بعض الوقت في كوخ خشبي صغير في نهاية الحديقة خصصه لصنع الإطارات.

يقول الفنان المهاجر "أنا رسام تشخيصي بالتأكيد، لكن أعمالي ليست محاكاة للواقع، واللوحة عندي لا تأخذ شكل البورتريه بالمعنى المحدد والضيق. أهتم بمناخ اللوحة والأجواء التي تحيط بالشخصيات التي أرسمها وأستفيد بذلك من عدة مصادر ومن أشياء صغيرة ومهملة أحيانا، الحياة اليومية هي مصدري الرئيسي دائما، المقاهي المكتظة والعشاق والسيقان المزدحمة بمحطة مترو، خصلات الشعر المنسابة بنعومة، النوافذ نصف المفتوحة، ندف الثلج التي تنزل في الشتاء والغيوم القرمزية اللون التي لا يوازي جمالها شيء، هذه المفردات وغيرها هي منجمي الذي أتكئ عليه وأنا أرسم".

التفاصيل الصغيرة هي ما يشغل الرسم الكاووشي، إذ كثيرا ما يفكر بالتفاصيل الصغيرة التي تكون مكملة للشخصيات المرسومة، فهذه الأشياء الصغيرة -كما يقول- هي التي تشكل المناخ الذي يغلف الشخصيات وفيها رمزية خاصة بالنسبة له، مثل ظرف الرسالة الذي يظهر في العديد من اللوحات، وهنا واضح ما ترمز إليه الرسالة من أشياء لها علاقة بالغربة والابتعاد عن الأشخاص والأماكن التي نحبها. إضافة إلى ذلك تساعد هذه الرموز في عملية بناء وإخراج اللوحة حين توزع بشكل مميز وصحيح.

إحدى لوحات ستار كاووش (الجزيرة)

أحلام مرسومة
ويرى كاووش أن "كل رسام يرسم أحلامه بطبيعة الحال والرسم يبقى كذبة بصرية، وأنا أحاول أن أجعل الآخرين يصدقون كذباتي". الرسم وفقا لكاووش عبارة عن خيال فيه شيء قليل جدا من الواقع، وهذا حال كل الفنون والإبداعات، و"يبقى اختيار الزاوية التي أرى من خلالها المشهد هو المسألة الجوهرية في رسم اللوحة، وهنا على الفنان اختيار حجم وشكل قماشاته حسب الزاوية التي ينظر من خلالها إلى المشهد".

أما العمل الفني الذي يفكر فيه كاووش دائما هو مساو للفرح والسعادة والأمل، كما يقول، هو نافذة مفتوحة تطل على غيوم ملونة وزهور ونساء شاردات الذهن، هو كيس قديم مليء بالحكايات الملونة والسحرية، ولغة قائمة بذاتها، ناعمة وجميلة مثل رذاذ مطر خفيف على زجاج النافذة، إنه يشبه فتاة مراهقة تتأمل نفسها في المرآة وهي تحن إلى طفولتها الذاهبة بعيدا.

في تهويماته الفنية يتساءل كاووش، "هل هناك رسالة لقرص الشمس وهو يختفي بجمال وهدوء خلف الغيوم البرتقالية مساءً؟ كذلك الأمر بالنسبة للطائر الذي يغرد في الحديقة المجاورة، إنه يفعل ذلك وحسب، وهذا هو الجمال. وما يهمني مع كل ذلك أيضا هو التقنية التي أعالج بها هذه المواضيع وكيف أحوّل هذه الأفكار التجريدية إلى أشخاص يعيشون ويتنفسون فوق قماشة الرسم".
_______________
كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة