الآثار الاقتصادية للحرب على العراق   
الجمعة 19/1/1424 هـ - الموافق 21/3/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

* شاهر الأحمد

بدأت دول العالم تعدّ الحسابات الفعلية للخسائر المتوقعة خلال فترة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق. وقد عبر الكثير من الخبراء والمحللين عن آراء متباينة حول انعكاساتها الاقتصادية التي لن تستثني آثارها أيا من دول العالم ناميها ومتقدمها تقريبا.

آثارها على دول العالم:
فعلى المستوى العالمي ذكر أحد أبرز المستشارين الاقتصاديين في ألمانيا أن حربا طويلة الأمد مع العراق ستزج بالاقتصاد العالمي في براثن الكساد خاصة في ظل وجود مخاطر ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل إذا طالت فترة الحرب، إذ يمكن أن توقف الحرب صادرات العراق وغيرها من دول المنطقة التي تزخر بنحو 70% من الاحتياطي العالمي للنفط.


إن حربا طويلة الأمد مع العراق ستزج بالاقتصاد العالمي في براثن الكساد، خاصة في ظل وجود مخاطر ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل إذا طالت فترة الحرب
وعن الآثار المترتبة على هذه الحرب في القارة الأوروبية، فقد حذرت المفوضية الأوروبية في وقت سابق من أن شن حرب على العراق سيوقف النمو الاقتصادي بمنطقة اليورو وقد يغرقها في الركود تماما.

أما على القارة الآسيوية فقد أظهرت دراسة نشرتها مجموعة إيكونوميست مؤخرا أن نصف دول آسيا مهددة بالانكماش الاقتصادي والتضخم إذا استمرت الحرب لأشهر. وبينت الدراسة أنه في كل ارتفاع لأسعار النفط بنسبة 10% عن معدل السنة الماضية البالغ 26.20 دولارا، سيؤدي إلى تراجع النمو في آسيا بنسبة 0.23% وإلى ارتفاع نسب التضخم بنسبة 1.1%. فنتيجة للحرب من المرجح أن تغرق آسيا في سنة من الركود التضخمي مع تراجع إجمالي الناتج الداخلي بنسبة 3.1% وارتفاع التضخم بمعدل 14%. ولكن إن كتب لهذه الحرب أن تنتهي في شهر أو شهر ونصف فإن آثارها ستكون على الدول الآسيوية أقل، إذ يتوقع الخبراء الاقتصاديون أن يفقد الناتج الداخلي في آسيا ما معدله 0.41% فقط، في حين سيرتفع معدل التضخم بنسبة 3%.

آثارها على الدول المناهضة للحرب:
وعن الدول المناهضة للحرب على العراق، يرى الكثير من المراقبين أن الدافع الرئيسي لموقف كل من فرنسا وروسيا وألمانيا يرجع إلى أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى. فهذه الدول وبقية الدول الصناعية تمر بأوضاع اقتصادية سيئة لم تشهدها منذ سنوات، إذ تخشى إذا طال أمد الحرب وتتابع ارتفاع أسعار النفط أن تكون التداعيات وخيمة وتزيد من سوء الأوضاع التي تمر بها هذه الدول. وأبرز الآثار التي تخشاها هذه الدول خسارة العقود النفطية التي وقعتها مع الجانب العراقي والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، والتي قد يؤدي تغيير النظام الحاكم في العراق إلى عدم احترامها. فقد وقعت فرنسا عقود نفط تمكن لشركاتها من الإشراف على إنتاج حقول نفط يبلغ حجمها ما يقرب 36 مليار برميل.


الدول الصناعية تمر بأوضاع اقتصادية سيئة لم تشهدها منذ سنوات، إذ تخشى إذا طال أمد الحرب وتتابع ارتفاع أسعار النفط أن تكون التداعيات وخيمة وتزيد من سوء الأوضاع التي تمر بها
والحال بالنسبة لروسيا أكثر وطأة فهي تعد العراق أكبر شريك تجاري لها في الشرق الأوسط، وكانت قد وقعت معه في سبتمبر/ أيلول الماضي اتفاقا تجارياً بلغت قيمته 40 مليار دولار. كما تخشى موسكو خسارة ديون بما يقرب من ثمانية مليارات دولار وهي عبارة عن مساعدات عسكرية إبان الحرب ضد إيران من ميراث الحقبة السوفياتية، والتي قد لا يعترف بها أي نظام جديد في بغداد بعد الحرب. كما يتخوف بعض الخبراء الروس من أن تحرم بلادهم من حوالي 50 إلى 60 مليار دولار هي قيمة عقود مدنية تم الاتفاق على غالبيتها، وقرابة 70 إلى 80 مليار دولار هي قيمة صفقات أسلحة كان يتوقع أن تبرم مع العراق بعد رفع العقوبات المفروضة عليه.

الآثار على دول الجوار العراقي:
أما بالنسبة لآثار الحرب على تركيا فهي كبيرة مع الأخذ بالاعتبار أن أنقرة تكبدت خسائر كبيرة قدرت بنحو مائة مليار دولار نتيجة الحصار المستمر على العراق منذ نحو 12 عاما، إذ تعطلت تجارة الحدود وأغلقت أنابيب يومورتاليق التي تضخ البترول من العراق إلى تركيا. وتخشى أنقرة أن تكون خسارتها في الحرب الجديدة أكبر من السابقة. وهذا ما قد يبرر موقف الحكومة من سعيها لتمرير صفقة التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في حربها ضد العراق مقابل مساعدات مالية وعدت واشنطن بتقديمها للحكومة التركية بضخ ما يقارب من 8 إلى 9 مليارات دولار مع أول رصاصة، إلى جانب هبات وقروض تقدر بـ25 إلى 30 مليار دولار. غير أن البرلمان التركي لم يمرر هذا المشروع.


آثار الحرب على الأردن ستكون بالغة إذ يشكل العراق أحد أهم الركائز التي يعتمد عليها الأردن في بناء كيانه الاقتصادي
ويعتقد أن آثار الحرب على الأردن ستكون بالغة الأثر كذلك، إذ يشكل العراق أحد أهم الركائز التي يعتمد عليها الأردن في بناء كيانه الاقتصادي. فالعراق يستورد أكثر من 20% من إجمالي الصادرات الأردنية, ويزود المملكة بكل احتياجاتها النفطية التي تزيد على خمسة ملايين طن من النفط سنويا وتبلغ قيمتها 700 مليون دولار (تحصل على نصفها مجانا والنصف الآخر تستبدله بسلع أردنية تصدرها للعراق مما يعفيها من دفع قيمتها بالعملة الصعبة التي تفتقر إليها الأردن)، وهو ما يوازي ثلث الموازنة السنوية الأردنية. وفي ظل هذه الأجواء يتوقع أن تتراجع قدرة الأردن على جذب استثمارات أجنبية للقيام بمشاريع جديدة.

وستكون آثار الحرب على الاقتصاد المصري مؤلمة، إذ يتوقع أن تتسبب في أزمة جديدة لقطاع السياحة المصري في وقت لم يكد يتعافى فيه من أزمته التي أعقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001. ويعد هذا القطاع أحد أبرز ثلاثة قطاعات في اقتصاد البلاد، كما يخشى هروب الاستثمارات الأجنبية. ويتوقع أن تنخفض إيرادات قناة السويس -التي تعتبر مصدرا مهما للعملة الأجنبية التي يعوزها الاقتصاد المصري- إلى 10% والتي تبلغ نحو ملياري دولار في السنة.

فرصة ممتازة لاقتصاد أميركا:
من جهة أخرى يرى الخبراء الأميركيون في الحرب على العراق أنها ستمثل فرصة ممتازة للاقتصاد الأميركي، وبخاصة إذا ما استطاعت الولايات المتحدة السيطرة على العراق وزادت من طاقته الإنتاجية اليومية إلى ستة ملايين برميل يوميا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع سعر برميل النفط إلى ما يتراوح بين 10 و12 دولارا للبرميل.

ووقتها يقدر المحللون أن الاقتصاد الأميركي سيوفر سنوياً المليارات من الدولارات تنفق حالياً على استهلاك الطاقة، وفي الحين نفسه ستتلقى الدول المصدرة للبترول وخاصة تلك التي تعتمد عليه بشكل رئيسي في اقتصادياتها ومنها الدول العربية، ضربة قوية. وهو ما سيؤدي بلا شك إلى إضعاف أوروبا اقتصاديا وجعلها تابعة لأميركا على المستوى الاقتصادي والسياسي، في حال انتصار الولايات المتحدة وتمكنها من تحقيق أهدافها المخططة من وراء الحرب.
________________________
* الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة