طرابلس.. صراع الهويات وتقلب الولاءات   
الثلاثاء 22/7/1433 هـ - الموافق 12/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:16 (مكة المكرمة)، 16:16 (غرينتش)
تدخلات الجيش اللبناني لم تستطع أن تخمد المواجهات في مدينة طرابلس (الفرنسية)
نقولا طعمة-طرابلس

بعد مضي أسابيع على تفجر الصراع على خطوط التماس التقليدية بين أحياء باب التبانة (التبانة وبعل محسن والجوار) في مدينة طرابلس شمالي لبنان، تطرح تساؤلات متجددة عن هوية المتصارعين وخلفياتهم الطائفية وولاءاتهم السياسية وأبعاد الصراع ومآلاته.

ولمعرفة هويات الأطراف المتقاتلة، لا بد من العودة لجذور الصراع الذي اندلع سنة ١٩٧٦، عندما انقسم تحالف الحركة الوطنية بين مؤيد لموقف سوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد آنذاك الذي أراد وقف الحرب في لبنان، والقسم الآخر الذي أراد استمرارها لتحقيق مشروعه الذي تمثل في "البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية اللبنانية"، وهكذا دخلت قوى التحالف الواحد في صراع عسكري حاد.

وانعكس الموقف في طرابلس صراعا بين حيي المنطقة الواحدة، انتهى بمعركة سيطر بعدها الجيش السوري على المدينة سنة ١٩٨٦. وبقي الصراع خامدا إلى غاية عام ٢٠٠٥ عند اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان حيث بدأ تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري ينظم مليشيا، معتمدا على من تبقى من مرحلة الصراع السابقة وآخرين.

وعلى خلفية ما حصل في السابع من مايو/أيار ٢٠٠٨ في بيروت من اشتباكات مسلحة أودت بحياة العشرات، تجدد الصراع في التبانة باتجاه مختلف لكن بأدوات الماضي، فعشرون سنة كانت كفيلة بتغيير النفوس والظروف والدوافع.

نجم عن تجدد الصراعات اللبنانية حل مليشيا المستقبل، وتفكك الشارع، وراحت كل مجموعة منه تبحث عمن يقدم لها المساعدة المالية تحت شعار نصرته، قاصدة مختلف التيارات السياسية، ومنهم السياسيون المحليون الممولون.

مواقف وولاءات
يتوحد الموقف في الصراع في بعل محسن حول "الحزب العربي الديمقراطي"، رغم وجود نائب علوي عن المدينة يعيش خارج الحي. والحزب معروف بولائه لدمشق منذ انطلاقته على غرار "حركة الشباب العلوي" مطلع السبعينيات. أما في التبانة، فالأمر مختلف.

عبد الكافي الصمد: المجموعات تعمل وفق منطق بندقية للإيجار ولكل مجموعة ولاء (الجزيرة)
يعلق الكاتب الصحفي عبد الكافي الصمد للجزيرة نت على الموقف بقوله "إن المجموعات تعمل وفق منطق بندقية للإيجار وكل مجموعة عندها ولاء أو صلة بطرف أو تيار سياسي، وغالبا لأكثر من طرف، وليس غريبا أن تجول المجموعات أو من يمثلها على أكثر من مرجعية، ولو كانت مواقفها متعارضة، للحصول على مزيد من التمويل".

ويضيف "لكن ولاء المجموعات لهذا الطرف أو الزعيم أو ذاك يبقى غير معلن، كما أن الممولين والداعمين يفضلون أن يظل ارتباطهم بالمجموعات غير صريح فالأهداف والوسائل والنتائج غير مشرفة ولا يستطيع أحد تحمل تداعياتها".

أما الباحث الاجتماعي عاطف عطية -الذي أنجز العديد من الدراسات الاجتماعية عن باب التبانة مع طلابه وزملائه في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية- فيقول إن "في التبانة مجموعة من القبضايات ووجهاء الأحياء، وانطلاقا من وجودهم بهذه المواصفات، يستثمرون موقعهم مع السياسيين لكي يؤمنوا استمراريتهم. من ناحية يثبتون زعامتهم المحلية، ومن ناحية ثانية، يحققون مصالحهم السياسية".

ويوضح أن "هذا الموضوع ليس من اهتمام السياسيين ولا يريدون توتير الأجواء، ولكن خلفيتهم بالدفع المادي هي الحفاظ على مواقعهم السياسية في المنطقة، لكن الدعم المادي الذي يقدمونه لهذه الغاية يتحول إلى تأمين العتاد العسكري، مما يبقي الأجواء قابلة للاشتعال". 

عاطف عطية: في التبانة مجموعة من وجهاء الأحياء يستثمرون موقعهم مع السياسيين (الجزيرة)

أمثلة حسية
يقول عطية إنه "على مستوى المواجهات بين بعل محسن والتبانة فهذه تنتقل من السياسة إلى العسكر، والمسائل العسكرية تأتي أهميتها عندما يتوافر من يحتاج لتوتير الأجواء في طرابلس، التي تستهدف أكثر من هدف في الوقت نفسه، منها على سبيل المثال، إظهار أن الحكومة لا تستطيع أن تسيطر على الموقف بينما هناك رئيس حكومة وخمسة وزراء من المدينة، أو انتصار طرف حاليا للنظام السوري والآخرين للثورة السورية". 

ويشير الصمد إلى أن "المنطقة تحولت مع تكرار الأحداث إلى صندوق بريد لإرسال رسائل سياسية وأمنية بأكثر من اتجاه. والرسائل عادة مضبوطة من قبل اللاعبين الذين يقفون وراءها. عندما يريد طرف ما توجيه رسالة، يضع للمعركة سقفا بحيث أن المجموعة التي ستفتعل الصراع يتم تزويدها بالكمية المحددة من الأسلحة بحجم الرسالة المرجوة، من هنا نلاحظ معارك مؤقتة، وجولات متقطعة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة