"إيف".. فضاء العرب والأفارقة بباريس   
الأربعاء 1432/8/5 هـ - الموافق 6/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:27 (مكة المكرمة)، 14:27 (غرينتش)

لوحة "حريم" للفنان حليم الكريم الذي يستخدم وسيط التصوير في لوحاته (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

عامٌ مرّ على افتتاح اللبنانية إيمان فارس غاليري "إيف" (If) في وسط باريس، تمكّنت خلاله من تنظيم ستة معارض مهمة لفنانين عرب وأفارقة معاصرين، إلى جانب المعرض الحالي الذي يُشكّل حصيلة للمعارض السابقة. وهي مناسبة نستغلها للتوقف عند الهدف من تأسيس هذا الفضاء الفني وللتعريف بخصوصيات الفنانين الذين اختيروا للانطلاق في هذه المغامرة.

تجدر الإشارة أولا إلى أن إيمان فارس ليست اللبنانية الأولى التي تتجرّأ على افتتاح غاليري في ساحة يتنافس فيها تجار الفن بضراوة، وتعاني سوق الفن فيها -كما في سائر الأسواق الغربية- من حركة بيع خفيفة تحوّل أي مشروع من هذا النوع إلى مجازفة. فقد سبقها في ذلك تجار لبنانيون مهمّون سجّلوا حضورا لافتا في هذه الساحة، مثل مروان حص وبريجيت شحادة (زوجة الشاعر جورج شحادة) وسامي كينج.

لكن بخلاف هؤلاء الذين سعوا بشكل رئيسي، وبنجاح متفاوت، إلى تنظيم معارض لأسماء فنية غربية شهيرة، مع الالتفات من حين إلى آخر إلى فنان عربي معروف، ركّزت فارس اهتمامها على فنانين عرب مهمّين من عصرنا، بغضّ النظر عن شهرتهم المتواضعة أو المعدومة في الغرب، وبدون إهمال فناني القارة الأفريقية التي ولدت فيها فارس ونشأت، مما يعكس جرأة كبيرة والتزاما نبيلا بضرورة الترويج والمدافعة عما يدور حاليا من ابتكارات مثيرة على الساحتين المذكورتين.

"طبيعة جامدة" للفنان فؤاد بلامين (الجزيرة نت)
معرض افتتاحي
وفعلاً، جمع المعرض الافتتاحي الأول أعمالا لأربعة فنانين عرب تشهد عوالمهم المتضاربة وتقنياتهم المختلفة على حيوية الساحة الفنية العربية، وهم: الفلسطينية ليلى شوى، والسورية ليلي مُرَيْوِد، والمغربي فؤاد بلامين، واللبناني علي شرّي.

وفي أعمال ليلى شوى تتشابك داخل أعمالها المصوَّرة أو المرسومة خدوشٌ وبصمات وخربشات خطية وتنويعات هندسية ونماذج مجرّدة أو تصويرية ضمن توتّرات ومفارقات تعكس بحثا ثابتا عن هوية، كسلسلتَي "جدران غزة" و"سراب" الأخيرتين اللتين يتجلى فيهما التزام شوى الفني ونتائجه النقدية والفلسفية والسياسية.

أما أعمال السورية مُرَيْوِد فنلمس في أعمالها شبكة من الأقنعة تتلاعب داخلها بمبادئ التجلّي والتواري، الإمحاء والكشف، والشك واليقين، ضمن جدلية خصبة تتعرّى فيها الوجوه والأجساد النسائية وتستتر بطريقة مثيرة ومبلبِلة في آن واحد.

من جهته يمنحنا المغربي فؤاد بلامين فن رسم أو تصوير لزمن معلق وفضاء ممدَّد وغير أكيد، ويوظّف في أعماله اللغز والضوء، عنفا قاتما وشهوانية ملتبسة، ضمن توجّه يهدف إلى ستر المرئي وكشف المخفي. أما اللبناني حسين شرّي فيستكشف في فيديوهاته وأداءاته جميع الأراضي التي تغذّي مخيلته، بين واقعٍ حقيقي وواقع افتراضي، بين الجسدي وما ينتمي إلى العالم الرقمي (digital)، ضمن تحكّم تقني وبصري وإيقاعي مدهش موضوع في خدمة تأمّل فلسفي بقدر ما هو تشكيلي، وشعري بقدر ما هو سياسي.

"في ظل السنين" من أعمال ليلى مريود
(الجزيرة نت)
المعرض الثاني
المعرض الثاني نظّمته فارس مع الناقد المغربي إبراهيم العلوي حول موضوع السفر وآثاره على عمل الفنان، وجمع فنانين أربعة شبان، هم: المصور من أصل مدغشقري مالالا أندريا لافيدرازانا، والفنان العراقي الأصل حليم الكريم، والمصور الكونغولي بودوان مواندا، والفنانة من أصل لبناني لميا زيادة.

ويهتم المصور مالالا أندريا لافيدرازانا بتنوّع التعبيرات الهوياتية في عالم تطغى عليه تقنيات الاتصال الجماهيرية وتشابُه رتيب في الخطاب الذي تسيّره وسائل الإعلام، وتقترح علينا صوره الملتقطة داخل ديكور مديني حديث إطاراً مفتوحاً يتوه فيه خيالنا، كما توحي بنظرة تبحث عن أصالة أو حميمية مع المدينة المصوَّرة.

أما حليم الكريم الذي انتقل، بعد ممارسة فني النحت والرسم، إلى الوسيط الفوتوغرافي، فقد حقّق أعمالا يمكن مقاربتها من زاوية فك لغز الوجود وتعريته أو من زاوية مقابلة الذاكرة المجروحة وتجربة المنفى بالرغبة في رفع قناع واقع مُفقِدٍ لإنسانيتنا، في حين أن المصور الكونغولي بودوان مواندا ألقى نظرة نقدية على الحروب المتكررة في بلده قبل أن يحقق سلسلة صور تتناول المجتمع الكونغولي في باريس وضواحيها.

في المقابل تحفظ لوحات ومنحوتات عبد الرحيم يامو ذاكرة أصوله الصحراوية والأفريقية وتشكّل فضاء امتحانٍ ثابتٍ للمادة الكثيفة المستخدمة. بينما تبدو اللوحات الأولى لميا زيادة كمركز من الحميمية والاستيهامات ضمن لقطات إيروسية يدخل القماش الملوّن في تشكيلها، والخياطة واللصق والتركيب والتطريز في تقنياتها، قبل أن تنتقل إلى موضوع الحرب اللبنانية فتعالجها بأسلوب "البوب" وبحسّ ساخر، فموضوع المطربات العربيات التي عاشت الفنانة طفولتها على وقع أصواتهن.

لوحة للفنان السنغالي أمادو با (الجزيرة نت)
تجارب خاصة
وبين معرضٍ فردي لليلى مُرَيْود وآخر لليلى شوى، توقّفت صاحبة غاليري "إيف" عند تجربة الفنان السنغالي أمادو با الذي تتميز لوحاته بكتابة تشكيلية مستقلة وفريدة وببحث ثابت عن شفافية يختلط فيها الإنسان والحيوانات، العشب والرمل، السماء والأرض، ضمن مناخ مشبّع بألوان الطبيعة التي اختبرها الفنان منذ ولادته، وهي لوحاتٌ رقيقة تُجمّد الزمن والذاكرة وتوحي بالطمأنينة والتناغم، ولكن أيضا بتفنن كبير تعكسه وجوه وشخصيات ملغّزة وغامضة على الرغم من سهولة التعرف إليها.

كما عرض غاليري "إيف" تجربة المصوّرة المصرية نرمين حمّام التي تمدّ صورها بخواصٍ شبه جيولوجية تتجلّى على سطحها المتعدّد الطبقات، فتُدخل في ذلك سحرا ناتجا عن انتشار الرؤى ووجهات النظر وتبتكر زمنا يقع خارج الزمن وعالما لا يستسلم بسهولة للتأويل، مثل الأحلام، ويبدو كشريط فيلم نستشعر فيه حركة من خلال التتابع المتحرّك لصور جامدة، عالمٌ غريب يعجّ بالعلامات والرموز ويوحي لنا بالدهشة أو بالتباس كئيب.

أما المعرض الحالي الذي يختتم عاما من النشاط الفني في صالة "إيف" الفسيحة فيضم أعمالاً لنسرين حمّام وحليم الكريم وليلى شوى وليلى مُرَيْوِد وعلي شرّي وفؤاد بلامين وأمادو با، ويُشكّل بالتالي خلاصة لما أنجزته صاحبة الغاليري فارس خلال هذا العام وشهادة على وفائها واقتناعها العميق بالفنانين الذين واكبوها في مغامرتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة