تسول ممنهج لتلاميذ الكتاتيب بموريتانيا   
الثلاثاء 20/10/1431 هـ - الموافق 28/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)
مجموعة من تلاميذ المحاظر تحاصر أحد المارة طلبا للصدقة (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

أخذت ظاهرة تسول أطفال الكتاتيب التي تقوم بتحفيظ القرآن الكريم في موريتانيا والتي تسمى هناك بـ"المحاظر" بعدا جديدا في الآونة الأخيرة.

وتحول هذا التقليد المتبع تاريخيا لدى قبائل (إيفلان) من وسيلة لترسيخ التواضع لدى التلاميذ مستقبلا إلى غاية في حد ذاتها.

وفي كل صباح باستثناء يومي الخميس والجمعة يسارع الطفل موسى جوب بمغادرة منزل ذويه إلى شيخ "المحظرة" ومعلم القرآن، لكن سرعان ما تقذف به مع العشرات من أقرانه إلى مدرسة أخرى هي مدرسة الشارع التي أصبحت مأوى للمئات من أطفال موريتانيا.
 
وتحت أشعة الشمس الحارقة يقضي موسى جوب وزملاؤه أغلب ساعات أيامهم، حاملين أواني حديدية يجمعون فيها ما يجود به المارة وأصحاب السيارات من صدقات.
 
المفارقة هي أن تسول هؤلاء الأطفال لم يأت باختيار منهم ولا من ذويهم وإنما جاء بإرغام من معلمي الأطفال، ومدرسي القرآن على وجه التحديد.
 
جوب يبدو في حديثه للجزيرة نت أنه غير راض عن وضعه، لكنه يخاف عقاب مدرس القرآن إذا لم يقدم حصيلة معقولة لرحلة التسول اليومي، وهي حصيلة يجب ألا تقل عن دولار واحد، وإن خالف التلميذ الذي يسمونه "ألموده" فقد يحرم من الأكل طيلة يومه ذاك.
 
مفارقات
شيخ المحظرة ببكر (الجزيرة نت) 
لا توجد أرقام رسمية لعدد أطفال المدارس القرآنية المتسولين في شوارع نواكشوط، لكن الظاهرة في ازدياد ولا يبدو شيوخ المحاظر ومدرسو القرآن في حرج منها، أو في وارد الحد منها.
 
وتلك المفارقة يشرحها ببكر -وهو شيخ لإحدى محاظر تعليم القرآن- بالقول للجزيرة نت إنه لا بد من تأديب الأطفال، وتدربيهم على التواضع والمسكنة في بدايات حياتهم حتى إذا شبوا وكبروا، تكبر فيهم عادة التواضع وحب العمل، ورفض الاتكالية والاعتماد على الآخرين، والتكبر والغرور واحتقار الناس وهي عادات ذميمة ومنتشرة في المجتمعات الفقيرة.
 
وبغض النظر عن وجاهة ومنطقية تلك التبريرات فإنه من المتعارف عليه منذ عقود أن شيخ المحاظر أو المدارس الدينية  يرسل الأطفال للتسول من أجل تحصيلهم أموالا لإعالتهم، وتوفير متطلبات تدريسهم ومعاشهم في هذه المدارس، والغالبية الساحقة من ذوي هؤلاء الأطفال لا يمانعون في ذلك بحكم أنها عادة توارثتها الأجيال.
 
تقليد أفريقي
مجموعة من طلاب المدارس القرآنية في محظرة ببكر (الجزيرة نت)
لا تنحصر ظاهرة "ألمودات" أو طلبة المدارس القرآنية المتسولين في موريتانيا وحدها، ففي أغلب دول الغرب الأفريقي تنتشر الظاهرة بقوة.
 
ويرى الخبير في العادات الأفريقية عبد الله ممادو با أن الظاهرة رافقت انتشار الإسلام في غرب أفريقيا، خاصة في أوساط قبيلة (إيفلان)، وبما أن كل طالب يحمل (مدا) في يده يجمع فيها زكوات وصدقات الناس فقد صار مع الوقت يطلق على هؤلاء (ألمودات).
 
تحول
وأوضح با للجزيرة نت أن أهالي الأطفال كانوا في بداية الأمر يرسلون أطفالهم إلى مدرسين للقرآن يثقون في علمهم وورعهم، يعلمونهم القرآن وعلومه، ثم يدربونهم على التواضع والاختلاط مع الناس عبر هذا النوع من الأساليب، وكان الناس ينفقون عليهم بسخاء، ويدفعون لهم زكواتهم لأنهم طلاب علم، رغم أن بعضهم ينحدر من أسر غنية.
 
لكن الظاهرة اليوم –وبحسب ممادو با- قد أخذت منعطفا آخر مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الموريتاني في العقدين الأخيرين، حيث صارت وسيلة للارتزاق والتكسب في أوساط بعض مدرسي القرآن الذين لا يتوفرون على نفس القدر من العلم والورع الذي كان في أسلافهم.
 
وأكد أن الانحراف الشديد في مسار هذه الظاهرة أضعف ثقة الناس في الذين يمتهنونها، ولم تعد في غالب الأمر -خصوصا في المدن الكبرى- أكثر من "تسول ممنهج" يتكسب من خلاله بعض المدرسين، وسط تجاهل وعدم مبالاة من طرف الأهالي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة