دراما الإحباط الاجتماعي في إيران   
الخميس 5/5/1435 هـ - الموافق 6/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)
لقطة من الفيلم الإيراني "أنا لست غاضبا" للمخرج رضا دورمشيان
أمير العمري
يحسب للفيلم الإيراني "أنا لست غاضبا" للمخرج الشاب رضا دورمشيان (32 سنة) كونه أحد الأفلام الجريئة التي أنتجت في ظل الأوضاع الرقابية المشددة الحالية في إيران، وما يحمله بالتالي في طياته من احتجاج صارخ على الوضعين السياسي والاجتماعي الحالي إيران.
 
لكن أهمية الفيلم تكمن أساسا في قدرة مخرجه على تجنب أسلوب الواقعية المباشرة التسجيلية، والبحث عن أسلوب جريء في الصورة من خلال توظيف المونتاج والحركة وسرعة تعاقب الصور والتلاعب ببراعة بمسار السرد عموما، بما يتسق مع موضوع الفيلم نفسه.

موضوع الفيلم -الذي عرض في قسم "البانوراما" بالدورة 64 لمهرجان برلين- هو إيران اليوم التي تعاني الحظر الاقتصادي بسبب سياسات متشددة، مما يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي مع ارتفاع التضخم وتضاؤل قيمة العملة وتراجع القدرة الشرائية، وبالتالي عجز الشباب عن بدء حياتهم الأسرية والعملية، ووقوعهم في دوامة الإحباط واليأس التي تؤدي إلى الجريمة.

يروي الفيلم قصة حب تدور بين "نافيد" و"سيتارة"، وهما زميلان في الجامعة، أو كانا كذلك، قبل أن يطرد نافيد -وهو كردي- من الجامعة بسبب نشاطه السياسي المعارض، لكن علاقة الحب تظل قائمة بينهما، ونعرف أن الاثنين مخطوبان منذ أربع سنوات، لكنهما يعجزان عن التقدم أي خطوة في مشروع زواجهما بسبب عجز نافيد عن تدبير مسكن أو عمل مناسب يدر عليه دخلا معقولا، خاصة أن والد الفتاة يهدده بفسخ الخطوبة ملوحا له بوجود شاب ثري منافس يمتلك عمارة سكنية وعلى استعداد للزواج من ابنته الوحيدة التي رباها بمفرده بعد وفاة والدتها.

هذا هو الإطار العام لقصة ربما نكون قد شاهدنا مثيلاتها على الشاشة عشرات المرات، أما ما يجعلها معاصرة وتتمتع بالطزاجة والرونق فهو أولا أنها تأتي بملامح شديدة الخصوصية من داخل إيران: من مجتمع يحرم العلاقات العاطفية خارج الزواج، ويفرض قيودا مشددة على راغبي الزواج من الرجال فينتظر من الرجل تقديم كل ما يلزم من مسكن وأثاث وسيارة وقدرة على الإنفاق.. إلخ، بينما البطالة تفشت لدرجة مرعبة.

تصبح الوسيلة الوحيدة للتحقق- كما نرى في الفيلم- هي الانحراف إلى الجريمة، وهو ما يرفض بطل الفيلم مرارا التورط فيه رغم كل الإغراءات، ورغم ما يأتيه من عروض من أفراد ينتمون إلى عائلته أصبحوا حاليا من كبار التجار في طهران، وكان يمكنه أن يحل جميع مشاكله إذا ما وافق على التعاون والاشتراك في ارتكاب المخالفات والجرائم التي يشير الفيلم إلى أنها أصبحت منتشرة كثيرا في أوساط الشباب.

يشير الفيلم إلى غياب الأمل أمام الشباب الإيراني وتضاؤل فرص العثور على عمل وتحقيق النجاح والصعود الاجتماعي، مع اتساع نفوذ طبقة من الطفيليين والمستغلين الذين يسيطرون على كل الأعمال الكبيرة

الطابع الكوميدي
الجانب الثاني الذي يميز الفيلم هو أنه رغم قتامة الموضوع وانسداد الأفق أمام بطله واستحالة خروجه من مأزقه بما يشي بضرورة الوصول إلى مصير مؤلم ينتظره دون شك فإن الفيلم لا يفتقد روح الدعابة والمرح في الكثير من المشاهد، كما أنه رغم واقعيته يغلف بغلاف رومانسي بديع في نسج تفاصيل العلاقة العاطفية بين البطلين، وكيف أنها تظل قائمة حتى النهاية رغم كل العقبات إلى أن يفقد بطلنا عقله تماما ويقدم على ارتكاب الفعل الآثم.

يلجأ نافيد في البداية إلى طبيب نفسي يشكو له من عدم قدرته على التحكم في أعصابه كلما واجه موقفا صعبا، يريد أن يفتك بالشخص الذي أمامه، بل وهو يعتدي بالفعل على رئيسه في العمل الوحيد الذي ينجح في العثور عليه بعد أن وجه له الإهانات مرات عدة ثم أبلغه بالاستغناء عن خدماته دون أن يستمع لشكواه.

يصف له الطبيب عقارا طبيا ينصحه بابتلاع قرص منه عندما تهاجمه حالة الشعور بالغضب مع ترديد عبارة "أنا لست غاضبا" عدة مرات إلى أن يهدأ. ويستجيب نافيد، فكلما يشعر بالغضب الشديد يتناول العقار ويردد العبارة، لكننا نراه في الكثير من المشاهد وهو يفقد أعصابه وينهال بالضرب على خصمه (قد يكون رجلا يرفض أن يمنحه عملا مناسبا أو غيره).

لكننا في مواقف كثيرة من الفيلم نشاهد مثل هذه المشاهد العنيفة كما لو كانت مجرد تداعيات في ذهن نافيد أي تدور في خياله، هنا تختلط الحقيقة بالخيال، كما يلجأ المخرج إلى استخدام الكاميرا المهتزة للتعبير عن الحالة النفسية المتأزمة لدى بطله، أو إلى المونتاج الذي يوحي بسرعة تعاقب اللقطات ممزوجا بصوت الموسيقى الحادة التي تصل إلى الذروة قبل أن تتوقف بعد أن يهدأ البطل ويعود إلى حالته "الطبيعية". هذ التصوير السينمائي مقصود منه أيضا التعبير عن الهلوسات التي تنتاب البطل بتأثير العقار الدوائي، أو بفعل تدهور حالته العصبية والنفسية.

يشير الفيلم إلى غياب الأمل أمام الشباب الإيرانيين وتضاؤل فرص العثور على عمل وتحقيق النجاح والصعود الاجتماعي مع اتساع نفوذ طبقة من الطفيليين والمستغلين الذين يسيطرون على كل الأعمال الكبيرة، كما يشير إلى أن بطله طرد من الجامعة بسبب ضلوعه في المظاهرات التي اندلعت بإيران بعد إعلان نجاح الرئيس أحمدي نجاد في انتخابات 2009 التي عرفت بانتفاضة الإصلاحيين.

ليس من الغريب أن ينجح المخرج رضا دورمشيان بفيلمه الثالث هذا في تقديم موضوعه بطريقة مؤثرة تأخذ بألباب المشاهدين كما رأينا في برلين

قوة الأسلوب
هناك إحساس جيد في الفيلم بالمكان، بالصورة التي تظهر عليها طهران في الزمن المضارع: الزحام والضجيج والتلوث وتفشي التناقضات الطبقية وفوضى الشارع، هذه الصورة الواقعية، بتفاصيلها تبرع كاميرا علي أزهري(مصور الفيلم) في التقاطها بحسه التشكيلي العالي مع الاحتفاظ بطزاجة الصورة التي تبدو قريبة من التسجيلية في طبيعتها.

ولكن المونتاج يتلاعب بهذه الصور فيجعلها أيضا تبدو كما لو كنا نراها من وعي شاب يمر بأزمة نفسية حادة، وتتصاعد وتيرة الإيقاع مع تصاعد أزمة البطل، ويمزج مونتاج "هايده سافياري" بين الصوت والموسيقى والصورة ببراعة، ويجعل الفيلم بأسره يبدو كما لو كان نابعا من خيال مدمن عقاقير مهدئة!

يبرز في الفيلم أيضا الأداء التمثيلي للبطلين: نافيد محمد زاده في دور نافيد، وباران قصاري في دور سيتارة، وقد نجح المخرج في تحقيق الانسجام بينهما في الأداء بطريقة مثيرة للإعجاب، ونجح بوجه خاص في الحصول على لقطات قريبة متعددة لباران بجمالها الأخاذ وهدوء ملامحها، وهي التي تقف أمام الكاميرا للمرة الأولى.

وليس من الغريب أن ينجح المخرج رضا دورمشيان في فيلمه الثالث هذا في تقديم موضوعه بطريقة مؤثرة تأخذ بألباب المشاهدين كما رأينا في برلين، وهو الذي عمل مساعدا لأهم مخرجي إيران المعاصرين، المخرج الكبير داريوش مهروجي من مواليد 1939، من أفلامه الشهيرة "البقرة"-1969  و"رحلة إلى بلاد ريمبو"-1983، و"شجرة الكمثرى"-1998.
_______________
ناقد سينمائي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة