الكاتب والقضايا الكبرى   
الثلاثاء 26/9/1435 هـ - الموافق 22/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:24 (مكة المكرمة)، 11:24 (غرينتش)

أمير تاج السر*

لاحظت أنه كلما حدث شيء في الدنيا، ابتداء من ازدياد عدد المتسولين في بلد يحتضر اقتصاده، إلى سقوط حافلة ركاب من أعلى جسر في الفلبين، مثلا، تصلني رسائل متعددة من أشخاص لا أعرفهم، تسألني عن رأيي في ذلك، ولماذا أنا صامت، ولم أكتب صراحة عن ذلك الموضوع.

أحيانا تكون الرسائل الموجهة لي رقيقة وأقرب للعتاب منها إلى أي شيء آخر، وأحيانا تكون عنيفة، وأحس معها أن الذي أرسلها حملها بكل قسوة يعرفها، وجعلها أشبه بنصل حاد.

بالطبع وسط كل هذا، هناك قضايا تستحق أن أُسأل عنها، ويُسأل عنها غيري أيضا سواء كانوا كتابا أو سياسيين أو حتى مواطنين عاديين، وأعني تلك القضايا التي تختبر فيها الإرادات، وتراق فيها الدماء، وتكثر من حولها علامات التعجب والاستفهام، وتلك التي تمس قيمنا وأخلاقنا، أو تثير فهما مغلوطا لعقيدتنا السمحة، التي نباهي بها، وتتربص بها الأمم الأخرى، متحينة الهفوات التي يقوم بها بعضنا.

ولطالما كان المبدع قديما مرآة كبرى لمجتمعه يبحث عن إيجابيات ذلك المجتمع، ليعممها على المجتمعات الأخرى، مباهيا بها، ويبحث عن السلبيات أيضا، ليفكر في حلول لها وتحويلها إلى إيجابيات سيباهي بها يوما ما، وكلنا يعرف مسألة الشعر الذي كان ديوانا للعرب، وثّق حياة تلك المجتمعات القديمة كلها، وجعلها حية أمامنا، ولولاه ما سمعنا بكثير من حكايات التراث التي في داخلها كنوز.

خفة الشعر
الآن يوجد الشعر ولا يزال، ولكن بوزن أنحف كثيرا مما كان عليه سابقا، وبنظرات خجولة، ما عادت تلك الحمراء التي تخيف، وتلتقط وتوثق جيدا، ولولا جهود بعض الشعراء الحداثيين الحاليين، في تضميد جروح الشعر، ومحاولة إنعاشه بقصائد رائعة بين حين وآخر، لربما انتفى ذلك الاتجاه الإبداعي، وألغي تماما.

في المقابل توجد الرواية، المدون الجديد لحياة المجتمعات والمتقصّي الأكثر نشاطا في رصد حركة الحياة كلها، ويمكن أن تضم داخلها بكل أريحية، شعرا ورسما، وموسيقى وأغنيات، وبالتالي، تضم الفنون كلها.

أجزم أن الرواية وفي سنوات قليلة استطاعت أن تجلس باسترخاء على كل المقاعد الإبداعية، وتشغلها، ولكن بدأ الخوف يظهر من أن الرواية هي أيضا جنس أدبي تم استهلاكه بدراية وبلا دراية

وأجزم أن الرواية وفي سنوات قليلة، استطاعت أن تجلس باسترخاء على كل المقاعد الإبداعية، وتشغلها، ولكن كما قلت سابقا في أماكن أخرى، بدأ الخوف يظهر من أن الرواية هي أيضا جنس أدبي استهلك بدراية ودون دراية، وفي سبيله للتعثر وارتداء النظرات الخجولة أيضا.

أعود للأسئلة التي تطرح على المبدع وتريد منه إجابة، وأحاول أن أجيب على بعض الذي طرح علي في الأيام الماضية، خاصة بعد اشتداد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى، من الكهول والنساء والأطفال، وتجول الرعب في البيوت والأسواق، ودوائر العمل، في حرب اختار لها مُشعلوها شهرا مباركا مثل رمضان.

تأتي أيضا قضية أخرى هي قضية تهجير مسيحيي العراق الذين يقيمون في الموصل من ديارهم بأوامر من "دولة الخلافة" التي أقيمت هناك فجأة، وقضية ثالثة مثل الشريط المصور للطفل اللبناني الصغير، الذي بالكاد يستطيع حمل العصا، ليقوم باستخدامها وبتشجيع من أبويه، في ضرب طفل سوري من اللاجئين في لبنان.

حقيقة أن الكاتب في هذا الزمن لم يعد يحمل أي نفوذ ليستخدمه في حسم قضية ما، ولم يبق من الكتاب أو الشعراء ذوي النفوذ ممن يمكن تدخلهم واسطة في كثير من الأمور، إلا عدد قليل من الكبار، أذكر منهم الألماني غونتر غراس الذي تدخل من قبل في قضايا معينة، وقُبل تدخله.

عزلة الكاتب
الكاتب الآن له عزلته المؤلمة التي لم يسع هو لتشييدها، ولكن سعت هي لتجعله معزولا. هو يستمع لنشرات الأخبار، يشاهد الموت والدمار، والفقدان، والرعب، يشاهد الحياة تمضي هنا وتتعثر هناك، وتقف مشلولة هنا وهناك، يتواصل في صفحات التواصل الاجتماعي مع الآخرين، لكن في حدود العزلة، أي ربما يكتب تعليقا، أو يشارك خبرا ولكن ذلك كله لن يخرج من تلك الصفحة، وربما لا يلفت النظر أيضا.

وشخصيا أجد كتابة التعليقات على القضايا ما دامت بهذه المواصفات لا داعي لها إطلاقا، فلن يوقف تعليق لكاتب صاروخا متجها لمنزل، سيخترع ضحايا عاجلا أو آجلا، ولن يواسي ذلك الرجل الذي فقد أبناءه الأربعة وهم يلعبون الكرة على شاطئ البحر، ولن يعيد كل الشهداء إلى ديارهم وملابسهم الأنيقة وأهلهم.

أقصى ما يستطيع الكاتب فعله الآن هو توثيق تلك الأحداث، مع إضافة رؤيته الخاصة، في عمل روائي سيبقى.

أعتقد أن أقصى ما يستطيع الكاتب فعله الآن هو أن يوثق تلك الأحداث، مع إضافة رؤيته الخاصة، في عمل روائي قطعا سيبقى. فكما نقل لنا الشعر حوادث المجتمعات السابقة ستنقل الرواية حوادثنا للأمم اللاحقة، وسيأتي يوم يعثر فيه الناس على رأي سديد من كاتب، لكنه لم يكن مسموعا في زمانه، داخل نص روائي صمد ووصل بصموده للمستقبل.

لقد قرأت تعليقات لعدد من الناس يتهكمون على كل من علق على الأحداث الدامية في غزة، وأبدى أسفه، ويقولون إن الصمت أجدى في هذه الحالة. وأنا لا أدعو للصمت بالتأكيد، فقط أوضح أنه لا طاقة لكاتب لعمل أي شيء مهما علق وكتب.

أيضا شاهدت الناس يقفون محتجين أمام سفارات، أو يسيرون مظاهرات في الشوارع، وهذه أيضا لم تعد تشكل وسائل ضغط لبلد مثل إسرائيل، فقط تقدم دعما معنويا للصامدين الذين يقاومون.

أخيرا أوضح مرة أخرى أن الإجابة الأدبية على الأسئلة الصعبة التي توجه لكل كاتب، موجودة في نصوصه، وشخصيا أساهم في القضايا ولكن بالطريقة التي أراها مجدية، وهي كتابتها في نص إبداعي.

______________
* روائي وكاتب سوداني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة