المدينة المنورة.. سلام مختلف وبلا أعداء   
الأحد 1429/12/10 هـ - الموافق 7/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 22:13 (مكة المكرمة)، 19:13 (غرينتش)

السلام المنشود بالمدينة المنورة مختلف عن السلام الذي يشغل العالم (الجزيرة نت)

محمد داود-المدينة المنورة

الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بطل الحرب والسلام، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين سقط بيد أحد أعداء السلام، والرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات نادى طويلا لسلام الشجعان.

وفي الإعلام تفشت تسمية السلام، كبقعة حبر فوق ورقة بيضاء، وتشعبت ونمت حتى ارتبطت بكلمات أخرى مثل عملية، وشامل، وشجعان، وأنصار وأعداء، وحتى حمامة شهيرة وغصن زيتون يرافقها أحيانا.. وكانت دائما تعني السلام مع إسرائيل.

هنا في المدينة المنورة التسمية موجودة أيضا -موجودة بقوة في الحقيقة- فهناك شارع السلام وباب السلام، هناك أيضا محلات كثيرة تحمل اسم السلام بتنويعات مختلفة، بل إن هناك -حتى تكتمل المفارقة ربما- فندقا يدعى "فندق مبارك السلام"، لكن مبارك هذا ليس الرئيس المصري حسني مبارك أحد رواد "السلام" في المنطقة، ولا السلام هذه تعني السلام مع إسرائيل.

السلام في المدينة المنورة لا يعني سوى السلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فغالبية الوافدين إلى السعودية للحج يمرون بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم للسلام عليه والصلاة في مسجده.

زيارة مسجد الرسول عليه السلام يتمسك بها غالبية الحجاج (الجزيرة نت)
أما طريق السلام في المدينة المنورة فهو الشارع المؤدي إلى باب السلام. ولا يخطر ببال المارة هنا أي معنى للسلام سوى السلام على النبي عليه الصلاة والسلام.

تقديس الحج
وباب السلام واحد من أبواب المسجد النبوي يؤدي للمسجد القديم قبل توسعته مرات كثيرة حتى غدا المسجد الأصلي مجرد جزء صغير يحتل الناحية الأمامية للمسجد الحالي.

وقرب الباب يزدحم الزوار القادمون للسلام على النبي. ويقول عبد الرحمن إنه قدم من الهند للحج وزيارة النبي، ولن يثنيه الزحام عن أداء "الفريضة"، وهو يرفض أي قول بأنه ليس ملزما بهذا، وأن الأمر لا يعدو أن يكون مستحبا.

ويصر عبد الرحمن وهو تاجر أقمشة في بلاده في العقد الرابع من عمره على أن الحج لا يكتمل دون المرور على المدينة للسلام على النبي محمد، ويشاطر عبد الرحمن كثيرون رأيه، فهم لا يتخيلون أن المرور بالمدينة مستحب ولا صلة له بواجبات الحج.

بل إن معتقدا قديما شاع بين المسلمين -ثم اندثر لاحقا- أن الحج لا يكتمل دون "تقديس" حجهم، وتقديس الحج يعني زيارة مدينة القدس والصلاة في المسجد الأقصى، غير أن احتلال إسرائيل لشطر القدس الشرقي عام 1967 بدد هذا المعتقد على ما يبدو فاكتفى الحجيج بزيارة المدينة المنورة.

السلام حاضر في كل أنحاء المدينة المنورة  (الجزيرة نت)
إساءات الغرب

وما يثير الدهشة ربما أن أحدا في مدينة النبي عليه الصلاة والسلام أو القادمين إليها لا ينشغل بمسألة الإساءة له في صحف الغرب. وتختفي تماما من الشوارع هنا عبارات مثل "إلا رسول الله" و"لبيك رسول الله" و"فداك رسول الله" التي انتشرت في عواصم عربية عدة ردا على إساءات الصحف الغربية للنبي عليه السلام وتهجمها المتكرر عليه.

وفي مدينته التي نوّرها بهجرته إليها قادما من مكة المكرمة حين أخرجه أهلها في العام الثالث عشر من دعوته، لا ينشغل الناس بما يقال عنه ولا بالشبهات التي يثيرها الإعلام الغربي حوله.

وهم يكتفون بالمرور على باب غرفته حيث قبره في الطرف الشرقي من المسجد ليقولوا له "السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك رسول الله وأنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين"، ثم يمرون مسرعين تحت وطأة إلحاح رجال الأمن المنتصبين قبالة القبر لمنع الزوار من التمسح بالحديد واستقبال القبر للصلاة أو الدعاء.

آخرون يقاومون رجال الأمن قليلا ويتوقفون رافعين أكفهم بالدعاء وهو ما يراه علماء الشريعة في السعودية بدعة لا يجوز إتيانها، وضربا من "الشرك"، فالدعاء لا يجوز لغير الله تعالى.

بعض الزائرين يرى في المناسبة لحظة تاريخية يجب توثيقها، وهم رغم التعليمات وإصرار رجال الأمن يصرون على تصوير باب الغرفة حيث يدفن النبي في قبر لا يرتفع عن الأرض بأكثر من شبر ولا يحيط به شيء سوى فضاء الغرفة وقبرا رفيقيه أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب.

لا خلاف هنا على أحد، ففي المسجد النبوي تعلو أسماء العباس والحسن العسكري والباقر وغيرهم من آل بيت النبي، الأعمدة إلى جانب لوحات مماثلة تحمل أسماء أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام اللذين قاتلا علي بن أبي طالب في معركة الجمل.

يتأمل عجوز -يبدو أنه إندونيسي- الأسماء قبيل الصلاة، يجول ببصره بين الأسماء ثم يمضي مستكملا تسابيحه بصمت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة