السوري بيرقدار وقصائد من خلف القضبان   
السبت 14/6/1433 هـ - الموافق 5/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:48 (مكة المكرمة)، 10:48 (غرينتش)
غلاف الترجمة الفرنسية الجديدة لديوان "لا حي ولا ميت" للشاعر السوري فرج بيرقدار (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
"لا حيّ ولا ميّت" هو عنوان الديوان الذي أنجزه الشاعر السوري فرج بيرقدار في السجون السورية وصدر عام ١٩٩٨ باللغة الفرنسية عن دار نشر "أل دانت" بباريس بترجمة عبد اللطيف اللعبي، قبل أن يقوم الشاعر مؤخّرا بمراجعة معظم قصائده. وهي مناسبةٌ استغلتها دار "أل دانت" لإعادة نشر الديوان بنسخته المنقّحة، التي تأخذ اليوم معناها مع الأحداث الدائرة في سوريا.
 
بيرقدار، وهو من مواليد حمص سنة ١٩٥١، اختبر السجن منذ عام ١٩٧٧ على أثر إحيائه مجلة أدبية عنيت بإنتاج الكتاب السوريين الشبّان. وهذه التجربة المريرة هي التي دفعته إلى النضال داخل منظّمة "العمل الشيوعي" المناهضة لنظام حافظ الأسد، فتم توقيفه عام ١٩٨٧ وسُجن وتعرّض للتعذيب على مدى سبع سنوات، قبل أن يصدر حكمٌ قضائي بسجنه خمسة عشر عاما إضافية، لانتمائه إلى منظّمة غير شرعية.
 
فرج بيرقدار كتب ديوانه من داخل السجون والمعتقلات السورية (الجزيرة)
المقاومة بالشعر
في نهاية التسعينيات، وعلى أثر مطالبة "اللجنة الدولية لمكافحة القمع" السفارة السورية في باريس بالإفراج عنه، صرّحت السفارة المذكورة بأن لا وجود لشخصٍ باسم فرج بيرقدار، فانطلقت حملة دولية لتحريره، شارك فيها كبار الشعراء والكتّاب الفرنسيين مثل موريس بلانشو وإيف بونفوا وجاك دوبان وميشال دوغي وبرنار نويل، إلى جانب محمود درويش وعبد اللطيف اللعبي من العالم العربي.

وفي سياق هذه الحملة، كتب موريس بلانشو: "يريد القمع البوليسي، الذي لا يمكن التسامح معه أن لا يُلفَظ اسم فرج بيرقدار، أن يبقى هذا الشاعر المسجون لآرائه منذ عام ١٩٨٧ ممنوعا عن الكلام، كي لا نسمع صوته.. نريد سماعه".

وطوال فترة سجنه التي دامت حتى عام ٢٠٠٠، شكل الشعر خطّ دفاع بيرقدار الوحيد. ففي سجن تدمر الصحراوي الذي أمضى فيه السنوات الأربع الأولى، تعلّم الكتابة بلا قلمٍ أو ورقة عبر صياغته مقاطع شعرية قصيرة وحفْظِها عن غيب.

وحين تخونه ذاكرته، كان يتلو قصائده همسا على رفاقه في السجن ويتّكل على ذاكرتهم، قبل أن يكتشف وسيلة لصناعة حبر من شاي وقشور بصل ويستخدم أوراق السجائر لتدوين قصائده.

يقول بيرقدار، الذي تنقّل بين سجني تدمر وصيدنايا ومركز اعتقال السجناء السياسيين التابع للاستخبارات السورية في دمشق "الشعر ساعدني على سجن السجن". ولا مبالغة في قوله هذا. فالشاعر، كما يصفه ميشال دوغي في مقدمته هذا الديوان هو "إنسانٌ يستحيل سجنه حيّا، وإن عاش فترة طويلة خلف القضبان، إنسان يقلب الصمَم إلى تعجّب، يخرج من زنزانته بصوته، يثقب الجدران بلسانه، وتخطّ يده على الحائط الخارجي للسجن كتابة مرئية لكثيرين".

بيرقدار لم يمارس الشعر في السجن فقط لقدرته على الارتقاء به فوق واقعه المأساوي بل نجده يغوص أحيانًا داخل هذا الواقع لتصوير بشاعته أو جوره ولوصف عزلته التي عاشها كموت لا نهاية له

من قلب العتمة
وثمّة علاقة بين ضيق الحياة المأسورة واقتضاب القصيدة عرف بيرقدار كيف يستثمرها. فكلمات قليلة تكفي إن كانت صائبة. بعبارة أخرى، شكلت القصيدة المقياس الصحيح والمناسب لظروف حياته المخنوقة، ووسيلة للفرار من أسره وللتمتّعٍ بحرية ذهنية وخيالية كاملة. أكثر من ذلك، أمّنت القصيدة له تلك الكثافة الضرورية في الفراغ المحيط به وألوانا مناقضة لرمادية الجدران وأفقا مفتوحا ومشرقا في قلب العتمة المطبقة.

وفعلا، تفتح قصيدة بيرقدار نافذة داخل السجن تطلّ على العالم ويدخل منها النسيم معطّرا بحقول القمح، قصائد تقطنها أشجار نخيل وحمائم وخيول ونساء وفراشات، ونسمع في فضاءاتها صدى صهيل وهديل وأنفاس. وحتى التعاسة فيها تظهر على شكل امرأة، فيذهب الشاعر إليها أو تأتي بنفسها إليه لتحوّل ليله إلى بروق وكل جرح من جروحه إلى بيان.

لكن بيرقدار لم يمارس الشعر في السجن فقط لقدرته على الارتقاء به فوق واقعه المأساوي بل نجده يغوص أحيانا داخل هذا الواقع لتصوير بشاعته أو جوره، ولوصف عزلته التي عاشها كموت لا نهاية له أو "كساعة سراب سوداء" أمسكت غالبا برقبته.

ولا ينسى بيرقدار جلّاده بل يواجهه ببصيرة نادرة فيذكّره في إحدى قصائده بأن زنزانته ليست أضيَق من مقبرة الطاغية، ولا هي أقصر من حياته. وفي قصيدة أخرى، يتفرّس في وجه الجلّاد ويخطّ "صورة قلمية " له رهيبة بقدر ما هي واقعية، يظهر فيها بعينين نحاسيتين مسودّتين، وبفمٍ على شكل كاتم صوت، وبلسان يلعب دور الصاعق، جلّاد تهدّد ديونه بنوك الدم بإفلاس مدوّ، ويحرس شعبه بالأسلاك الشائكة مسلّحا بنواياه المفخّخة وابتسامته المبشِّرة بمجزرة، كما يقول بيرقدار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة