فيلم سوري يروي هزائم جيل الشعارات الرنانة   
الاثنين 1429/11/19 هـ - الموافق 17/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:22 (مكة المكرمة)، 21:22 (غرينتش)

أطفال يلعبون على ظهر دبابة معطوبة تمثل "العطب العربي" (الجزيرة نت)

نغم ناصر-دمشق

يروي الفيلم السوري "أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد -الحائز على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان دمشق السينمائي بدورته الـ16- إحباط "جيل الشعارات الرنانة" وخيباتها.

وتجري أحداث الفيلم في الجولان عام 1958 -أيام الوحدة بين سوريا ومصر- إذ تبدو صورة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حاضرة في الجبهة، حيث يقيم مصطفى مع عائلته كغيره من عساكر يؤدون واجبهم العسكري.

وفي أحد مشاهد الفيلم المؤثرة يظهر الأب وهو يخفي بضمادة بيضاء ملامح وجهه بعد أن فقد بصره، محاولا أن يزرع البسمة بعيون أطفاله بحركات بهلوانية في محاولة للتخفيف عنهم.

الضجر جسده المخرج عبد الحميد بأطفال مصطفى الأربعة حيث يضطرون لقضاء إجازتهم المدرسية أيضا في الجبهة، فيبتكرون ألعابهم الخاصة المرتبطة بالجو العسكري المحيط بهم، وتراهم في عدة مشاهد يلعبون على ظهر دبابة معطوبة وضعت أمام منزلهم، كأنها تجسد بحالتها حال العطب العربي.

الأب لحظة عودته من الجبهة مصابا بلغم (الجزيرة نت)
مشهد متكرر

وترافق حالة الضجر العائلة التي ترحل، مثل العائلات المقيمة في الجبهة، إلى المدن اضطراريا خشية اندلاع حرب عندما يطلب الرئيس اللبناني كميل شمعون تدخل الأسطول السادس الأميركي في المنطقة. وتعيش العائلة من جديد في حالة ضجر آخر في القرية، بعدما اضطر الأب للبقاء في الجبهة.

وقال عبد الحميد للجزيرة نت "منذ خمسين عاما والمشهد العربي يتكرر، فكل ما يتعلق بحياتنا يدور بحلقة مفرغة، وأيام الضجر هي حال روحي ونحن نكتشف الخداع طيلة السنوات الماضية التي دفعنا فيها ثمنا غاليا من الحروب وخيبات الأمل من شعارات حطمت الشعوب التي آمنت بها". ولا يفارق عبد الحميد شخصيا منذ أيام الطفولة مشهد مغادرة الجبهة إلى قريته في اللاذقية.

وبالنسبة للناقد والكاتب نجيب نصير، فإن عبد الحميد يحول عدسة الكاميرا السينمائية إلى عدسة مكبرة تراقب الحياة، كما تراقب العين رتل النمل الدؤوب وهو يسعى إلى أمانه أو سعادته.

وأضاف للجزيرة نت أنه يرصد فيه الزمان أكثر مما يتوقف عند الأمكنة وتفاعلاتها وعلاقاتها، فالزمان هو الضجر عينه، خصوصا عندما يمر دون أدوات أو وسائل لقضائه، فيذهب ممارسو الزمان الفارغ إلى أقصى حدود العبث المتاح وكأنهم على موعد مع الخيبة.

أطفال يعشون حالة ضجر في قريتهم
(الجزيرة نت)
قضايا الإنسان

وتعرض مشاهد أيام الضجر انقلابا مستمرا للمشاعر، فتارة يأسرك الحزن وتارة تحررك الابتسامة من قيود التأثر، وأرجع عبد الحميد ذلك لتفاؤله "فأنا بطبيعتي إنسان مبتسم"، رافضا أن يؤلف أفلاما كوميدية لمجرد الترفيه، دون أن تحمل قضايا هادفة "فأنا أهتم بقضية الإنسان وأطرح مواضيع تهمه".

ووصف نصير المشهد الأخير الذي يعيد فيه عبد الحميد الأب الغائب عاجزا إلى عائلته في اللحظة ذاتها التي يعود بها خال الأطفال ومعه فرقة موسيقية قروية تعزف لتروح عن الأطفال ضجرهم "بأنه الحدث الوحيد في الفيلم الأكثر إزالة للضجر لكنه يحمل كل خيبات الدنيا لهؤلاء الباحثين عن فرح لا يدرون ما هو، ولا أين يوجد؟ حيث يقف الأب ذو الملامح المختفية للحظات ثم يطلب متابعة العزف ليبدأ بالرقص هو الآخر قبل أن يجتاحه الضجر في محاولة للتأكيد على استمراره واستمرارهم، رغم أنف اليأس والعاهة".

ويقول نصير إن عبد الحميد يشحن كعادته مشاهد فيلمه بكل أنواع الطرافة، مهيئا لمشهد النهاية حيث يحضر المشاهد بتمهل مريب كي يواجهه بكتلة حارقة من الشجن تستطيع لملمة خيوط الفيلم وإعادة قراءته والتلذذ به.

وحاز فيلم "أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان دمشق السينمائي في دورته السادسة عشرة، وحصد عبد الحميد سابقا حوالي أربعين جائزة دولية وعربية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة