الطريق الثالث لرئيس أميركا المنتخب   
الخميس 1429/11/8 هـ - الموافق 6/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:24 (مكة المكرمة)، 14:24 (غرينتش)

أوباما مطالب بإدخال أميركا عهدا جديدا يخرجها من أزماتها (الفرنسية)

كتب الصحفي فريد زكريا مقالا في مجلة نيوزويك حث فيه الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما على انتهاز الفرصة السانحة الآن لإظهار زعامة مثيلة لزعامة الرئيس السابق فرانكلين روزفلت، يدخل من خلالها البلاد في عهد جديد من الازدهار والقوة ويبدع فيها أيديولوجية جديدة للحكم بالغرب.

نص المقال
لقد فاز باراك أوباما بأكثر من نصر رئاسي, ونال فرصة إعادة ترتيب المشهد الوطني وتصميم نظرية حكم جديدة للغرب, فالديمقراطيات الغربية يتنازعها منذ نهاية الحرب الباردة اتجاهان سياسيان بارزان, الأول تزعمه كل من بيل كلينتون وتوني بلير أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتمثل في تقدم اليسار بشكل مضطرد نحو مزيد من الارتياح للسوق الحرة والقيم التقليدية بغية جذب التيار السائد للناخبين, أما الاتجاه الثاني فتمثل في التراجع الأيديولوجي لتيار المحافظين, وهم حركة تعج اليوم بالتناقضات والفساد, تجسدها إدارة جورج بوش السيئة التي تبنت مبادئ ويلسون, وقد تداخل هذان التياران خلال العام 2008.

طبعا, لا يزال غالبية الأميركيين يعتبرون أنفسهم محافظين أكثر مما هم ليبراليين, ولا تزال هناك أميركا حمراء (جمهورية) كبيرة, غير أن ذلك هو انعكاس لثلاثة عقود من هيمنة المحافظين لا تنبئ بالمستقبل, فـ "داخل المجتمعات الديمقراطية, كل جيل هو شعب جديد" كما كتب آلكسيس دوتوكفيل.

فصعود المحافظين خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي راجع إلى عرضهم وصفات فعالة لمشاكل السبعينيات التضخم والركود والقلاقل الاجتماعية بالداخل والتوسع السوفياتي بالخارج- وقد نجحت دعوتهم لتقليص التدخل الحكومي والترويج للقيم التقليدية والرد الحازم على موسكو, لكن منذ ذلك الحين والمحافظون يقدمون نفس الحلول لكل الأزمات المتتابعة, فلنأخذ مثلا رد جون ماكين عندما سئل عن الكيفية التي سيعالج بها انهيار وول ستريت, إذ تعهد بجعل حد للإنفاق الخاص، وهو ما لا يمت بصلة لإعادة الثقة والائتمان للأسواق.

وخلال العقدين الأخيرين حققت الولايات المتحدة رخاء اقتصاديا رائعا, طال بعضه شرائح واسعة من المجتمع, فلدينا أكبر البيوت وأضخم أجهزة التلفاز في العالم، غير أننا لم نتمكن من مواجهة سلسلة أخرى من التحديات التي لا تقل أهمية عن ذلك، كجعل الرعاية الصحية في المتناول وتوفير التعليم الجيد للفقراء والتصدي لمشاكل الطاقة بشكل فعال، ولنكتف بذكر هذه الأمور الثلاثة, ففي كل هذه المجالات لا يمكن أن تأتي الحلول من القطاع الخاص دون غيره, بل يجب أن تشمل جهودا حكومية موسعة.

"
توفر الأزمة الحالية لأوباما فرصة إعادة رسم شكل الانقسام بالسياسة الأميركية, فبدلا من التركيز على الانقسام المعروف بين اليمين واليسار حول حجم ودور الحكومة، عليه أن يصب جهوده في معالجة المشكلة الأكبر للأميركيين مع إدارة بوش
"
وكما هي الحال بالنسبة للأسواق الحرة, تنامى انفتاح المجتمع وتنوعه السكاني، وآل النظام التقليدي الذي كان المحافظون يدافعون عنه إلى السقوط عبر عشرات السبل، ويتجلى ذلك في عمل المرأة والطلاق والهجرة والأقليات. وبدأ الناس يعملون ويعيشون ويتزوجون ويبنون العائلات بطرق متنوعة, وبدت القوالب العتيقة للمجتمع قديمة جدا, فقد أنهت إصلاحات السوق الحرة التي أدخلتها مارغريت تاتشر شيئا فشيئا المجتمع البريطاني المعتمد على الطبقية الذي كانت الهيمنة السياسية لحزب المحافظين تستند عليه, ويحدث شيء مماثل الآن بالولايات المتحدة وسط تحول الشباب الأميركي الأحمر (الحزب الجمهوري) ببطء ولكن بثبات إلى الأزرق (الديمقراطي).

ومع ذلك، فإن هذا لا يعكس عودة إلى ليبرالية المدرسة القديمة, فالعالم قد تجاوز حقبة ستينيات القرن الماضي, وقليلون هم من يعتقدون أن على الحكومة أن تمتلك زمام قيادة الاقتصاد وأن على المخططين المركزيين تخصيص الموارد وأن الحمائية ستحمي الوظائف على المدى البعيد, انظر مثلا إلى اليسار في السلطة في بريطانيا وأستراليا فسترى سياسات مؤيدة للسوق وللتجارة الهدف منها هو تعزيز النمو. والفرق أنها تشجع كذلك جهد الحكومات في مجالات لا يكون القطاع الخاص فيها فعالا.

وتوفر الأزمة الحالية لأوباما فرصة إعادة رسم شكل الانقسام في السياسة الأميركية, فبدلا من التركيز على الانقسام المعروف بين اليمين واليسار حول حجم ودور الحكومة، عليه أن يصب جهوده في معالجة المشكلة الأكبر للأميركيين مع واشنطن: فهم يرون في حكومتهم حكومة نهب وفساد, وينظرون إلى قانون الضرائب وينتابهم القلق لكونه يقنن الفساد عبر الثغرات المالية والصفقات الخاصة, أكثر من قلقهم لكونه "ينشر الثروة" فالإصلاح الحقيقي سيعني التصدي لسياسات النهب والفساد، سواء من اليمين أو من اليسار.

ففي بداية ثلاثينيات القرن الماضي, أوحت الحقائق السياسية والاقتصادية أن أميركا كانت جاهزة لدخول عهد جديد, لكن ذلك العهد لم يكن ليصبح حقيقة ويأخذ الشكل المميز الذي أخذه لولا حنكة وطموح فرانكلين دلانو روزفلت,

وإذا كان أوباما يريد بالفعل تحديد شكل المستقبل فسيكون عليه أن يظهر زعامة مشابهة, فقد كتب مفكره المفضل رالف والدو أميرسون عام 1841 أن "حزب المحافظة وحزب التجديد.. تنازعا السيطرة على العالم منذ بدايته.. والتجديد هو الطاقة البارزة والمحافظة هي توقف مؤقت في اللحظة الأخيرة" ولتشكيل حكومة أغلبية جديدة يجب على أوباما أن يجسد مفهوم التجديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة