"العكّازة الحمراء".. قصص الصمت والرعب   
الأحد 16/12/1434 هـ - الموافق 20/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 9:14 (مكة المكرمة)، 6:14 (غرينتش)
غلاف "العكازة الحمراء" لمشعل تمو (الجزيرة)

 هيثم حسين

يبدو القاصّ السوري الراحل مشعل تمّو (1957-2011) في مجموعته القصصية "العكّازة الحمراء" ملتزماً بهموم الناس ومنشغلاً بالمواضيع التي ناضل في سبيلها وضحّى بحياته من أجلها، فهموم الوطن والمواطن حاضرة بقوة وبطريقة غير مباشرة في قصصه، يبدو فيها ملتزماً بسعيه للانتصار لقيم المحبّة والتسامح والمساواة.

تضمّ المجموعة المكتوبة باللغة الكرديّة والتي نشرتها "دار أفيستا" بإسطنبول، بعض القصص الجديدة وأخرى نشرت من قبل، ويأتي نشرها بعد مرور عامين على اغتيال تمّو. وتبرز المجموعة الجانب الأدبي اللافت في شخصية السياسي المخضرم، مع ملاحظة أن القصص تنهض تحت ثقل الهموم السياسية التي سعى الكاتب من أجلها وهي تذكّرنا بقصص كبار الكتّاب الذين انطلقوا في كتابتهم لها من مبدأ الالتزام بقضايا شعوبهم دون أي تعالٍ أو تكلّف.

اختار الكاتب فن القصّ سبيلا موازياً لنضاله السياسي، فكانت القصص مرساله وحمّالة أفكاره ورؤاه. ومن قصص المجموعة: "العكّازة الحمراء"، و"يوم الحبّ"، و"الفرس التي علاها الغبار"، و"ماذا جنيت على نفسي؟"، و"الزمن.. الجدار والرقم"، و"بلا حدود! حدود.."، و"الياسمين"، و"الأكواب المعاصرة"، و"العين والسراب"، و"اللسان المعلّق".

تعبّر قصته "العكّازة الحمراء" التي اختارها تمّو عنواناً لمجموعته، عن جوانب من الخراب الذي راكمه النظام في البلاد. فالأب العجوز يتوكّأ أحزانه وعصاه ويمضي باحثا عن أبنائه الأربعة المعتقلين في السجون

سجن وأمل
ربما تعبّر قصته "العكّازة الحمراء"، التي اختارها تمّو عنواناً لمجموعته، عن جوانب من الخراب الذي راكمه النظام في البلاد. فالأب العجوز يتوكّأ أحزانه وعصاه ويمضي باحثاً عن أبنائه الأربعة المعتقلين في السجون، يحمل باقة ورد في يده، يسير ماضياً إلى غده دون عون أو سند سوى تلك العصا التي يتخلّى عنها، عساه يدين بذلك السجّان ويحرّك فيه بعضاً من الإنسانيّة المتحجّرة.

تذكر القصة أن الابن أهدى والده، بمناسبة تخرّجه في الجامعة، عكّازة ليعتمد عليها في الأيّام القادمة التي تحبل بتغيّرات كبرى يستشرفها، والتي يقرأ فيها حاجة رجل مسنّ إلى ما يستند عليه في رحلة العمر، ولاسيّما حين تتمّ تصفية مَن يمكن أن يعتمد عليهم في أيامه الأخيرة.

العجوز الذي يشتري باقة ورود حمر، يلعن زمن الصمت والرعب وتحكّم العسكر بمفاصل حياة الناس، تراه يتقدّم رويداً رويداً، يكشف النقاب عمّا يضعفه وينال منه ومن قوّته. يتذكّر كيف لم يكتفِ المتحكّمون برقاب الناس باعتقال الابن البكر له، بل أتبعوه بأبنائه الثلاثة على مراحل، فأصبح للعجوز أربعة أولاد قيد الاعتقال، ولا يعرف عنهم أيّ شيء.

وبعد متابعة حثيثة ودفعه الأموال التي كانت ثمن بيعه قطعة أرضه الوحيدة، تمكّن من مقابلة مسؤول كبير، استفسر منه عن أبنائه الأربعة ومصيرهم، فأخبره أنّهم عنده في السجن، وأنّهم متّهمون بمعاداة الثورة والسعي لتغيير دستور البلاد بالقوة وإضعاف نفسيّة الأمّة.

فما كان من العجوز إلا أن وضع عكّازته على طاولة ذاك المسؤول الأمني طالباً منه أن يعتقل ابنه الخامس -عكّازته- أيضاً، وتراجع بعد ذلك ليزور قبر زوجته، ويضع باقة الورود عليه، ويناجي زوجته، ويحيّيها على أنها أم لخمسة أبناء معتقلين في زنازين الطغيان.

رمزية العكّازة المضمخة باللون الأحمر تتفعّل تالياً، وكأنّ الاحمرار توصيف للمرحلة القادمة التي استقرأ الكاتب ملامحها في الماضي القريب والواقع المعيش المرهق للكواهل، كما بدت كأنّها تجسيد للحلم الثوري من حيث التحريض والتحفيز على التغيير، الذي دفع الكاتب حياته ثمناً له.

يحاول القاصّ إحياء بعض العادات والأعراف الفلكورية في المجتمع كما يفعل في قصة "الأكواب المعاصرة"، وبالموازاة مع ذلك يسعى إلى تعميم البحث عن الهوية وتجذير الانتماء للأرض، كما أنّه يحمّل قصصه بالإسقاطات المعاصرة

ترجمة حياتية
تعكس شخصيّات الكاتب وجوه الصراع المختلفة، سواء تلك التي تعكس مجاهدة المرء لأنانيّته أو تلك المصوّرة مكابدته جراء واقعه والضغوط التي يعانيها، ورغم ما تتعرّض له تجدها مسكونة بمشاعر الحبّ، لا تفقد تلك الطاقة التي تجتاحها حالات شدّ وجذب باستمرار.

وهناك حالات من المفارقة المريرة المترعة بالسخرية، كأن يلوذ أحد أبطاله بالأموات ويتخفّى بين القبور محاكياً الراقدين فيها شاكراً إيّاهم على تخليصه من المطاردات البوليسيّة التي لا تني تتعقّبه وتضيّق عليه.

وفي قصة أخرى يجد القارئ لفتة نحو المهمشين الذين يشملهم النبذ من قبل سلطات تشتغل على تغريبهم عن مجتمعهم وذواتهم، لتضيّق الخناق عليهم وتبقي تأثيرهم محدوداً، وتزرع بذور الشكّ فيهم، وتدفعهم إلى الهجرة والرحيل، أو الضغينة والحقد.

يحاول القاصّ إحياء بعض العادات والأعراف الفلكورية في المجتمع كما يفعل في قصة "الأكواب المعاصرة"، وبالموازاة مع ذلك يسعى إلى تعميم البحث عن الهويّة وتجذير الانتماء للأرض، كما أنّه يحمّل قصصه بالإسقاطات المعاصرة، بحيث تحضر التورية في معظم القصص، وإن كانت المباشرة أحياناً سمة بادية في الحوارات البينيّة كما يحدث في قصة "العين والسراب" (ص: 45).

يُذكر أن مشعل تمّو من مواليد 1957 في منطقة الدرباسية التابعة لمحافظة الحسكة السوريّة، نال الإجازة في الهندسة الزراعية من جامعة حلب، وله مساهمات بارزة في المجال الأدبيّ فضلاً عن نشاطه السياسي في صفوف الحركة الوطنية الكردية في سوريا لعقود.

أسّس تيار المستقبل الكرديّ في سوريا عام 2005، اعتقل لبضع سنوات في سجون النظام السوري. اغتيل يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2011 خلال الثورة السورية، وقد اُتهم النظام السوري باغتياله لما له من تأثير كبير كقائد وطنيّ بامتياز. له مؤلّفات عدّة بالعربية والكردية: "كلمة أخيرة"، و"أوراق من دفاتر الوطن"، و"آراء ومواقف".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة