الطبيب الفلسطيني أبو العيش.. إسرائيل قتلت بناته وهجّرت آباءه   
الثلاثاء 23/1/1430 هـ - الموافق 20/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:18 (مكة المكرمة)، 21:18 (غرينتش)
أبو العيش: صعقت عندما رأيت بناتي الثلاث وقد تحولن إلى أشلاء (الجزيرة نت)

وديع عواودة-حيفا
 
تختزل مأساة الطبيب عز الدين أبو العيش من جباليا قصة الحرب على قطاع غزة فيما تجسد قصة عائلته النكبة الفلسطينية.
 
ولليوم الرابع يمضي د.عز الدين أبو العيش (53 عاما) الذي فقد ثلاثا من بناته جراء استهداف منزله في جباليا متنقلا بين عيادة ابنته وشقيقه وابنته في أقسام مختلفة داخل مستشفى "تل هشومير" وبين متابعة شؤون ما تبقى من أطفاله في غزة والتحدث لوسائل الإعلام.
 
وينفي أبو العيش رواية الجيش الإسرائيلي حول إطلاق نار على قواته من جهة منزله ولا يستبعد قيام الجنود باستهداف غرفة بناته عمدا بعد ظهر يوم الجمعة واقتراف مذبحة.
 
وفي حديث للجزيرة نت يروي أن منزله الواقع في شارع صلاح الدين شمال جباليا معروف لكل الناس وللجيش ويكشف أنه بوساطة وسائل إعلام إسرائيلية كانت تتحدث معه يوميا سحب الجيش دبابة كانت مرابطة قبالة بيته موجهة مدافعها نحوه وجعلته يرى الموت بعينيه كل صباح.
 
الابنة المدللة
وبعيون ملؤها الاحمرار والغضب يقول أبو العيش إنه كان يلاعب طفليه داخل المنزل قبيل استهدافه ويتابع "كنت ألف داخل البيت وابني محمد (6 أعوام) يعتلي كتفي فيما يدفعني من الخلف ابني عبد الله (12عاما) وما إن غادرت غرفة البنات ودخلت الصالون حتى سمعت دوي انفجار وما هي لحظات حتى تكشفت المجزرة المهولة".
 
ويضيف الطبيب الذي توفيت زوجته مرضا قبل ستة شهور، أنه سارع للاطمئنان على بناته الست، وما لبث أن صعق وقد تحولن أمام ناظريه إلى أشلاء وسط بركة دماء وغبار متصاعد وما هي لحظات حتى استهدف البيت بقذيفة ثانية جرحت آخرين من عائلته.
 
ويتابع "صرت أصرخ كالمجنون وكنت بشكل عفوي أبحث عن بيسان ابنتي البكر المدللة متمنيا أن أجدها على قيد الحياة قبل أن أعثر عليها جسدا ممزقا".
 
واستشهدت جراء القصف الشقيقات بيسان (20 عاما) وميار (15 عاما) وآية (14عاما) وابنة عمهن نور (14عاما) كما أصيبت ابنتا الطبيب شذا ورفا وجرح شقيقه عطا ورائدة ابنة شقيقه ناصر بجراح متوسطة وخطيرة.
 
إحدى بنات أبو العيش المصابات داخل المستشفى (الجزيرة نت) 
مأساة بالبث الحي
ولم يجد أبو العيش من يغيثه فالجيران غادروا فهاتف مراسل القناة الإسرائيلية العاشرة لشؤون قطاع غزة شلومي إلدار الذي نقل صرخته في بث حي ومباشر وما لبث أن ترك غرفة البث وسارع للاتصال بقادة الاحتلال للسماح بإسعاف الجرحى ونقلهم.
 
وأكد إلدار للجزيرة نت أنه نقل صرخات ودموع أبو العيش بالبث الحي ومن ثم متابعتها بوسائل إعلام أخرى أحرجت إسرائيل وزعزعت ثقة الإسرائيليين بالحرب على غزة، وقال إنها وضعتهم قبالة المرآة عراة.
 
أبو العيش الذي قضى الكثير من أيامه في العمل بمستشفيات إسرائيلية طبيب نساء ومختص كبير بطب الجنين يتوقف عن سرد مأساته وهو يولول متسائلا "كان أهالي غزة كافتهم يغبطونني على دماثة خلق بناتي وتفوقهن بالمدارس، أليس حراما أن يذبحن بدون ذنب، والله إسرائيل لم تقتل بناتي فحسب بل قتلت كل ما هو جميل في هذه الدنيا".
 
ويستذكر الوالد الثاكل الذي جفت الدموع في مآقيه أحلام بناته التي قطعتها نيران العدوان، فيقول إن بيسان كانت تشارف على إنهاء دراستها الجامعية في التجارة وإدارة الأعمال، فيما حلمت آية بأن تصبح صحفية، أما ميار فطالما حلمت بامتهان الطب.

ويضيف "هكذا كل بناتي متفوقات بالدراسة ويتنافسن من ستكون الأولى في التوجيهي بكل فلسطين".
 
أرييل شارون
وينوه أبو العيش المعروف بأنه طبيب ماهر في إسرائيل أيضا وله معارف كثر فيها، إلى أنه طيلة أيام الحرب كان يحرص على تفادي نوم أسرته في غرفة واحدة. ويضيف "كنا نفترش الأرض خوفا من القذائف فأضع كل ابنتين خلف جدار واحد لكن القذيفة سفحت طفولتهن نهارا جهارا.. صبرك يا رب يا رب".
 
وينتمي أبو العيش الذي يوزع وقته في عمله كطبيب مختص بين المستشفيات الفلسطينية والإسرائيلية، لعائلة هجرت عام 48 من قرية هوج حيث أقيمت عليها مستوطنة "حفاة هشكميم" التابعة لأرييل شارون وولديه.
 
ويشير أبو العيش الذي يرى نفسه "رسول سلام" وإنسانا متشبثا بإنسانيته، إلى أن أرييل شارون لم يكتف بسلب أرض آبائه فبادر لهدم منزل العائلة في جباليا حينما كان قائد لواء الجنوب في جيش الاحتلال بحجة شق شارع.
 
ويستذكر حياة البؤس والفقر التي عاشتها عائلته المكونة من 11 فردا، ويقول "انتهت طفولتي مبكرا لاضطراري الخروج للعمل في إسرائيل أيام العطل" ويتابع "لكنني أنهيت المدرسة متفوقا وأنهيت الطب في مصر قبل أن استكمل في بلجيكا وبريطانيا وأميركا، وفي حفل التخرج من جامعة هارفارد كنت أتمنى أن يعود أبي وأمي من القبر لدقيقة ليفوزا برؤية ابنهما الطبيب اللاجئ الذي خرق حدود اليأس وهو يتسلم الشهادة ومن خلفه العلم الفلسطيني".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة