دور الثقافة القبلية في عملية التغيير   
الخميس 4/5/1432 هـ - الموافق 7/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)

مقال ثقافي لـ يوسف ضمرة

يوسف ضمرة

قبل أن يجمع الإسلام الأمة العربية، ويشكل أهم ركيزة في الهوية الثقافية لهذه الأمة، كانت الأعراب متفرقة بين القبائل. وكانت القبيلة هي الحاضنة الاجتماعية الأساسية، وبالتالي كان الانتماء الفردي لهذه القبيلة أو تلك، أكثر أهمية من تحقيق الهوية الذاتية. وعليه لم يكن غريبا أن يقول الشاعر العربي:

وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

ونشرب إن وردنا الماء صفوا * ويشرب غيرنا كدرا وطينا

على أن الإسلام لم ينتزع الانتماء القبلي انتزاعا مطلقا من نفوس العرب، ليس من باب ضعف الإسلام، بل من باب تجذر سلطة القبيلة عبر قرون من الزمان. وهذا ما فهمه الإسلام جيدا، فجاء في القرآن الكريم "فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا". وجاء في الحديث الشريف "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر نصرة الأخ ظالما بمنعه عن ظلمه.

ولم يتوقف الشعراء العرب تماما بعد الإسلام عن التفاخر بالقبيلة، والشواهد كثيرة. ويكفي أن نشير إلى شعراء النقائض، وإلى قول جرير بالتحديد:

فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا

ومع انفتاح الثقافة العربية على الثقافات العالمية وانتقال الكثير من المفاهيم الجديدة، لم تتمكن القبلية من التنحي، ولم تتقبل التهميش الذي قد تتعرض له بفعل الفلسفات والأفكار الأجنبية المناقضة، كالماركسية والقومية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وما إلى ذلك.

مع انفتاح الثقافة العربية على الثقافات العالمية، وانتقال الكثير من المفاهيم الجديدة، لم تتمكن القبلية لم تتمكن ولم تتقبل التهميش الذي قد تتعرض له بفعل الفلسفات والأفكار الأجنبية المناقضة كالماركسية والقومية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وما إلى ذلك
تجذر القبلية
ولا نريد هنا أن نفاضل بين هذه الأفكار والفلسفات من جهة، والقبلية من جهة أخرى، أي أن موضوعنا لا يتناول هذا الجانب، مقدار تناوله تجذر الثقافة القبلية في النفس العربية، رغم كل ما طرأ على الأمة العربية من أفكار ومفاهيم، بصرف النظر عن التفضيل الذي ليس مكانه في هذه المعالجة.

فقد انتشرت الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات ومراكز الدراسات وما إلى ذلك، وتمت ممارسة العملية الديمقراطية -ولو شكليا- في كثير من البلدان العربية. وتبنى الليبرالية الديمقراطية العديد من الكتاب والمثقفين والمفكرين العرب، بحيث أصبح لها منابرها الإعلامية ومؤسساتها الاجتماعية والثقافية. ولكن، رغم كل ما ذكرناه، لا نزال نتلمس الثقافة القبلية في معظم البلدان العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبية هذا الواقع الناجمة عن أسباب عدة.

فقد تحول الحزب السياسي مثلا في العديد من البلدان العربية إلى معادل موضوعي للقبيلة، وتحولت الاتحادات على اختلاف أنواعها والنقابات والجمعيات إلى بدائل عن القبيلة. بل يمكن القول إن مؤسسات وطنية وقومية كالجيش والأمن، ناهيك عن المؤسسات والدوائر المدنية الرسمية الأخرى أصبحت هي أيضا توازي القبيلة.

ولكن الفارق هنا يتجسد في التجليات التي تختلف من جهة إلى أخرى، فالحزب السياسي يعتمد في بعض المناطق على عائلات مترابطة، كما إنه لم يصل بعد إلى درجة التخلي عن الثقافة القبلية حتى ولو كان يساريا أو دينيا.

فالأمين العام أبديّ كشيخ القبيلة، وآراؤه ومواقفه لا يمسها الباطل وغير قابلة للنقاش أو المساجلة، مع وجود استثناءات لا بد من الاعتراف بها هنا وهناك.

والنقابات المهنية أيضا قبلية في أحد وجوهها، فحين تسيطر قوة سياسية على نقابة ما تصبح النقابة معادلا موضوعيا للحزب الذي تنتمي إليه تلك القوة، ويجري على الفور تهميش القوى السياسية الأخرى.

وهكذا هي الحال في مؤسسات المجتمع المدني كافة، أي إننا لا نزال أسرى الثقافة القبلية، حتى ولو تحدثنا عن الحداثة وما بعد الحداثة، وحتى لو ملأنا العديد من الصفحات كلاما عن الهوية الشخصية والحرية الفردية وتحقيق الكيانية الإنسانية.

والسؤال هو: كيف تحدث التغيرات في المجتمعات؟ ويتفرع من هذا السؤال أسئلة أخرى بالضرورة، سنأتي عليها في السياق الملائم.

الوظيفة الاجتماعية
لقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركهايم إلى دور الوظيفة الاجتماعية، وركز الفيلسوف كارل ماركس جل اهتمامه على الصراعات الاجتماعية، أما العالم ماكس فيبر فنوه بدور الفرد وتأثيره في التغيرات الاجتماعية.

مع انتشار وسائل الحكم الديمقراطية في العالم كان لا بد لهذه الثقافة أن تتكيف مع هذه النماذج الجديدة، فأسست مجالس الشورى والبرلمانات وما إلى ذلك، ولكن الذي حدث هو أن الثقافة القبلية ازدادت تجذرا
وهؤلاء الثلاثة هم آباء علم الاجتماع، على ما تذكر المصادر والمراجع العلمية، دون أن تنسى هذه المصادر الدور الذي لعبه كونت، ولكنها قللت من أهميته بالنظر إلى قصره مفهوم البنى الاجتماعية وتغيراتها على الدور الأمبريقي (التجريبي). حيث جاء دوركهايم واستفاد من أفكار كونت، ثم طورها وركز بحثه على الوظيفية.

على أن هذه الفروقات بين الثلاثة المؤسسين لا تعني تجاهل كل منهم أفكار الآخر، فقد التقوا معا في أكثر من ناحية، ولكن كلا منهم اختار زاوية محددة مغايرة لرؤيته، فماكس فيبر اعترف بالصراعية، ودوركهايم كذلك، وماركس لم ينسف أفكار دوركهايم، ولكنه ركز على الصراعية.

وبعد هذه المقدمة في علم الاجتماع نتساءل عن التغيرات التي حدثت في المجتمعات العربية، ونكتشف أن هذه المجتمعات لم تسلك في تطورها مسالك المجتمعات الأخرى.

بل يمكن القول إن أهم العوامل التي أسهمت في التغيرات الاجتماعية العربية كان العامل الخارجي، فخروج الاستعمار من الوطن العربي لم يكن مماثلا لخروجه من البلدان الأخرى. وقد عمل قبل خروجه على إبقاء البنية الاجتماعية أسيرة القوانين والثقافات القديمة، ومنها الثقافة القبلية.

فقد سلم الاستعمار كثيرا من البلدان العربية إلى عدد من العائلات، وهي الركيزة الأولى في البنية القبلية، ولأن هذه العائلات حريصة على استمرار تسيدها، كانت وظيفتها الأولى ثقافيا هي نشر الثقافة القبلية وتعميمها.

ومع انتشار وسائل الحكم الديمقراطية في العالم، كان لا بد لهذه الثقافة أن تتكيف مع هذه النماذج الجديدة، فأسست مجالس الشورى والبرلمانات وما إلى ذلك. ولكن الذي حدث هو أن الثقافة القبلية ازدادت تجذرا.

فالديمقراطية "حكم الشعب" تعني لهذه العائلات مساواتها مع شرائح المجتمع الأخرى وطبقاته، وتعني مشاركة الشعب في السياسات العامة. وهو ما جعل الأنظمة العربية تعيد الاعتبار إلى روابط القبيلة.

وهذا ما نلمسه هذه الأيام في الانتفاضات الشعبية العربية، حيث يستنفر الحاكم عشيرته في مواجهة المطالبة بالحقوق المشروعة، الأمر الذي يجعل حركات التغيير مهددة على الدوام بنشوب حروب أهلية تبدو حتمية في مناطق عدة.

هذا ليس تحذيرا من الحركات الشعبية، كما قد يتوهم البعض، بل هو في جوهره دعم لهذه الحركات، لأن قيم المجتمع المدني وترسيخها هي الكفيلة بتنحية الهوية القبلية، بكل ما تنطوي عليه من نكوص وترسيخ للعصبيات التي تقف بالضرورة عائقا أمام تقدم المجتمعات نحو الحداثة، بما تحمله من قيم حضارية كالحرية والعدل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة