الطائرة الروسية تبعث الجامعة العربية من مرقدها   
الاثنين 1437/1/28 هـ - الموافق 9/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 1:00 (مكة المكرمة)، 22:00 (غرينتش)

سيد أحمد الخضر

بعد أن هزّ العواصم الغربية عدة أيام، "هشّم" حطام الطائرة الروسية نوافذ جامعة الدول العربية، فبعثها من مرقدها لتستعيد معجم الشجب والتنديد والرفض، وتشدد على أنها لن تقبل المساس بالأمن المصري بأي حال من الأحوال.

وبعد سبات عميق، وصمت شبه مطبق، تجاه الوضع في فلسطين وسوريا وليبيا والعراق واليمن وباقي القضايا العربية، بدا أن سقوط الطائرة أكثر قدرة على "بعث" الجامعة ودفعها لواجهة الأحداث.

وخلافا لقضايا عديدة ظلت الجامعة فيها تساير المزاج الدولي، بدت هذه المرة أكثر جرأة على التغريد "خارج السرب" لرفض ما تسميه توظيف التسريبات والتكهنات في ضرب استقرار مصر.

يأتي تدخل الجامعة المفاجئ في وقت حرج يتجه فيه العالم لسحب الثقة الأمنية من نظام عبد الفتاح السيسي، ويعرض القادة حتى عن مجاملته، ويستخفون بتبريراته لحادث أودى بحياة 224 في صحراء يستوطنها مسلحون، أكدوا أكثر من مرة قدرتهم على غزو القاهرة لتفجير المقرات الأمنية وقتل كبار المسؤولين.

يقول أحمد بن حلي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية إنه يعارض أن يتسبب أي حادث "في إثارة الغيوم"، وإنه يرفض بشكل قاطع المساس بأمن مصر.

ولعله من المثير للدهشة هذا الاهتمام باستقرار مصر، بينما غابت الجامعة عن التعليق على أحداث جسيمة أضعفت مناعة مصر وضربتها في صميم ثورتها وكرامتها واقتصادها.

لكن التساؤل المطروح هو: هل ستغني الجامعة شيئا عن النظام المصري؟ وماذا يمكن أن تقدمه للسيسي إزاء محنة الطائرة الروسية التي تقول الصحافة الغربية إنها جعلته وحيدا في مواجهة العالم.

بن حلي: الجامعة ترفض تسريبات سقوط الطائرة لمساسها بالأمن المصري (الفرنسية)

المحنة والأمنية
هذا التساؤل يجيب عنه أحمد بن حلي ذاته، فقد بدا أن بيانه لا يركن لأي من نقاط القوة والضغط، إنما يتمسك بالأمل، ويعول على أن العواصم الغربية ستغير مواقفها وتدرك أهمية الاستقرار في أرض الكنانة، "فقط لا غير".

بيد أن أمنية بن حلي لا صدى لها في عواصم القرار، حيث تقول صحيفة واشنطن بوست تعليقا على حادث الطائرة الروسية إن النظام المصري أكثر احترافية في "الكذب" منه في محاربة الإرهاب.

وعلى الأرض، لا يبدو أن لبيان الشجب هذا أي صدى، حيث يواصل السياح الخروج من مصر أفواجا لا يلوون على شيء، فهمهم الوحيد هو النجاة بأبدانهم.

وخلال الأيام الماضية، قررت بريطانيا إجلاء عشرين ألفا من رعاياها من شرم الشيخ تحسبا لمشاكل أمنية بدأت تعصف بقطاع السياحة في مصر.

وتبعا لبريطانيا، أوقفت روسيا رحلات الطيران إلى مصر، وألغى سياحها فكرة الاسترخاء في شرم الشيخ، وقرروا التوجه إلى تركيا طلبا للهدوء والأمان.

كذلك، حذّرت كل من بلجيكا وبريطانيا وإسبانيا مواطنيها من السفر لشرم الشيخ المصرية، كما أعلنت عشر شركات طيران عربية وأوروبية تجنب طائراتها التحليق فوق شبه جزيرة سيناء.

وحسب آخر التوقعات الاقتصادية، فإن قطاع السياحة المصري يتكبد خسائر يومية تصل قيمتها إلى نحو أربعة ملايين دولار بفعل تداعيات سقوط الطائرة الروسية.

أفواج السائحين الغربيين تواصل الفرار من المنتجعات المصرية بعد سقوط الطائرة الروسية (رويترز)

غياب البدائل
وإلى جانب غياب البدائل في الوجع الاقتصادي، فإن الجامعة لا تملك على الأرجح ما يخفف محنة السيسي السياسية بعد أن جعلته لعنة الطائرة خصيما لعواصم القرار بالرغم من تلطفها به منذ انقلاب الثالث من يونيو/تموز 2013 .

وعندما أعربت القاهرة عن اندهاشها من تعليق لندن رحلات شرم الشيخ، رد وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند بأن بحوزة بلاده معلومات حساسة حول الطائرة الروسية، ربما لا يملكها المصريون، مما يعكس -وفق مراقبين- قناعة الغربيين بفشل نظام السيسي "في محاربة الإرهاب".

وإلى جانب بريطانيا، بدت واشنطن وعواصم غربية عديدة كأنها تضيق ذرعا بالمعلومات التي يقدمها رهط السيسي، وأيقنت أنهم غير صادقين في ما يدعونه من مكافحة التطرف.

وحتى موسكو التي أصرت القاهرة على التساوق مع رغبتها في تحديد أسباب الحادث لم تتردد في تعميق جراح السيسي السياسية والاقتصادية.

غياب الثقة هذه يستند إلى سوابق وعوامل كثيرة، بينها قتل الجيش المصري السياح المكسيكيين في صحراء الفرافرة في سبتمبر/أيلول الماضي بدل تأمينهم، وعدم تردد القاهرة في تقديم تبريرات تفتقر لبديهيات المنطق في تعاطيها مع كل الأزمات.

 بيد أن أهم هذه العوامل هو استنزاف قوى النظام المصري في مواجهة خصومه السياسيين، مما يغيّب طاقة الجيش والاستخبارات عن مخابئ المسلحين لتتركز على قمع المظاهرات والمسيرات الرافضة للانقلاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة