محمد بشكار.. نهم القصائد وحسنات فيسبوك برمضان   
الجمعة 1437/9/26 هـ - الموافق 1/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:31 (مكة المكرمة)، 10:31 (غرينتش)

في الرحلة مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب للتعرُّف على عاداتهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال رمضان الكريم، نتوقف اليوم مع الشاعر والإعلامي المغربي محمد بشكار الذي يبدو في هذا الشهر مسكونا بهاجس البدايات: بداية قصيدة، بداية مقالة، بداية رواية... 

يعترف صاحب "ملائكة في مصحات الجحيم" بأنه يرتخي أيام الصيام، رغم أن "مهنة الإعلام التي تمارسني قسرا تجعلني أقدم لبياض الأوراق كل الطاعة في تسويدها" وينشغل بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وخاصة ما يحبل به من جنازات ليقدم التعازي عساه يظفر ببعض الحسنات في شهر الغفران.

كما يعترف بشكار (1969/الرباط) أنه لا يقرأ في رمضان "إلا ما أسلفتُ في كتابته طيلة العام، أنتهز فرصة جوعي لأشبع نهم  قصائدي التي لم تكتمل، أصالح الأسطر ببعضها بعد طول خصام ليستقيم المعنى ويصبح  للصورة وجهٌ ترى به نفسها في مرآة الإبداع".

وفي ما يأتي نص رد الكاتب على أسئلة الجزيرة نت عن طريقته في القراءة والكتابة وشجونه وحنينه في رمضان:

نهم القصائد
أقرأ في رمضان ما تساقط مني وترك في نفسي منطقة جوفاء تحتاج لامتلاء نفسي، فلا أنشغل إلا بالبدايات: بداية قصيدة، بداية، مقالة، بداية رواية قد تشبه في نكهتها وصية رجل آثر أن يبدأ الحياة في الكتابة من حيث يموت... وهكذا إلى آخر البدايات التي تنتظرني أنهيها بِقَدَرٍ أصنعه محتوما..!

قد لا توافقني خِفًّة بعض الأقلام الأدبية البطءَ الذي يسري في أوصال قلمي في شهر رمضان الكريم، لكأنه وهو يكتب يشاركني الوجبات الثلاث التي كنت أتناولها في أيام الإفطار. أليست الكتابة عصارة ما نستنزفه من الدماغ الأحوج دائماً إلى غذاء روحي ومادي يتمثل في الخبز؟ إذا فحتى الأفكار تتغذى وتنتظر الأجر في آخر الشهر لكي تستمر في الحياة ولا تأتي من عدم خاوي البطن.

أعترف أني أرتخي إلى آخري في أيام الصيام، رغم أن مهنة الإعلام التي تمارسني قسرا تجعلني أقدم لبياض الأوراق كل الطاعة في تسويدها بأن أدع نفسي نهبا لميكانيكية سيل الأخبار، فلا أعرف
وأنا مندغم بالآلة إلى آخر سلك أو عرق ماذا تبقى من آدميتي التي من لحم ودم. حقا، إن من يكتب ويفكر في حاجة لغذاء من الصلب والحديد أكثر ممن يشتغل طيلة النهار في أعمال شاقة من قبيل قَدِّ الحجارة..!

بالمكر المعهود في كل من يبني بيوتا يسكنها في ناطحات الشعر، لا أقرأ في رمضان إلا ما أسلفتُ في كتابته طيلة العام، أنتهز فرصة جوعي لأشبع نهم قصائدي التي لم تكتمل، أصالح الأسطر ببعضها بعد طول خصام ليستقيم المعنى ويصبح للصورة وجهٌ ترى به نفسها في مرآة الإبداع، أو قد أصالح كل القصائد التي كتبتني في غفلة من وعيي الذي نهبه تسارع الزمن، لأجمعها في ديوان أعلم أنني سأتعب في العثور على عنوان يليق بجنونه أكثر مما يتطلبه إيجاد ناشر..!

حسنات فيسبوك
أقرأ تعازي فيسبوك وما أكثر جنازاتها في رمضان، وأنشغل بتقديم أصدق المواساة عساني أظفر ببعض الحسنات في شهر الغفران، وأفكر في الأصدقاء الذين رغم رحيلهم من الدنيا ما زالت حساباتهم مفتوحة،  شتان بين الزرقة في فيسبوك والزرقة حيث هم في السماء.

وحده الموت ينهرني ويردع تسليتي في هذا العالم الافتراضي ويهمس في أذني: فيسبوك ليس لعبة، إنه سيرة حياة توثق للإنسان في الفِراشين اللذين بين الولادة ونحن رُضَّع والنزع الأخير ونحن ذاهلون خُشَّع، بل ونتبع هذا الإنسان عبر فيسبوك دائماً لنشيعه حتى نردمه في حفرة.

فيسبوك ليس لعبة في رمضان وطيلة العمر، يعلمنا أن نتواضع إلى الرُّكَبِ، لأن لا أحد يضمن أن لا يصعد أحدهم غدا بصورتك في إطار أسود وخط كوفي أنيق ليكتب وحبره يقطر حداداً: إنا لله وإنا إليه راجعون..!

الجميع في فيسبوك أصبح شاعرا، ناقدا، إعلاميا، وما عادت الكتابة بهالتها الأدبية المهيبة حكرا على الأقلام التي تقف بكعب طويل تتجاوز كل القامات، وأجدني وأنا أرتكب جريرة قراءة ما يُنشر على هذا الحبل الطويل من غسيل، ألمس كعب حذائي القصير وأصرخ: لا..لا.. قد أقبل أي توصيف يحيق بالكتابة أو حتى يُرديها بالمحق محواً، إلا أن يعتبرها منْ لم يَعِشْ حياتها التي تسْري في شراييننا سطورا من الداخل، مجرد شيء يقترفه من لا شُغْلَ يلهيه عن العض بأنياب الكلام عميقاً في لحم الناس.

حتى وقتٍ ليس بالبعيد في العقارب والسنين، كنا ننتظر بفارغ الصبر أن يُصدر روائي أو شاعر أو مفكر نحبه عملا جديدا نروي به ظمأنا للمعرفة والجمال، وحين يحُلًّ أحد هؤلاء الأدباء في أحد الأماسي الرمضانية، كنا رغم الفاقة نمضي مشيا على الأقدام لمسافات طويلة كي نسمع بكل الحواس للأديب.

وكم تتسع في رئاتنا الصغيرة السعادة حتى تصير أشرعة تُسابق الرياح، حين نطرح على هذا الكاتب الكبير سؤالا لا يخلو من طيشٍ، ولا يهمنا من الجواب إلا أن نظفر بنظرة منه، فيصير منذئذ صديقا في كتاب تحت الإبط حتى نُكمل بنهم القراءة كل كتبه.

أبدا، الكتابة ليست شُغل منْ لا شُغل له سوى أنه يزيد بالأصابع التي تلعب على الحاسوب سنتيمترات في لسانه الذي تعوَّد الثرثرة، الكتابة الأدبية مقدسة وبتول عفيفة، وإذا رأتك لا تُحسن التفكير إلا وأنت على زيغ تنْشُدُ المستحيل، قد تُسعفك في الطروحات المُدنَّسة إلى أبعد مما يُطيقه شيطانٌ، وتُبادرك بالسخرية وقد مَزَّقْتَ في التأمل كل الأعصاب: فقط هاتِ ما عندكَ أو فلْتُقدِّمْ حماركَ فداءً.. !

شذرات وحكم
لا أتجاوز في قراءاتي برمضان الجُملة التي تعود عليَّ مُفرداتها بالنفع وتحفزني جماليا أو إعلاميا على كتابة أخرى تفيد الجميع دون أن تستدر مع الضجر الدمع، وأقصد القراءة الشذرية التي نجدها في كتب المتصوفة أمثال النفري وابن عربي وبعض المستظرفات في تراثنا الأدبي العربي.

وقد أمضي بالتأمل قصيا في الحِكميات وأغترف من ديوان المتنبي، ناهيك عن قراءتي لكل المواد التي تفدني لملحق "العلم الثقافي" (الصادر عن جريدة العلم وهي أعرق صحيفة في المغرب) وتأخذ من صدري قلباً كبيرا من الجهد من حيث التحرير والبحث عن الصور التي تُناغمها جماليا، وفيها الشعر والقصة والدراسة أو القراءة النقدية الأدبية والترجمة والإصدارات الجديدة والمقالة الفكرية، وهلم قراءةً حتى يتبين السطر الأبيض من السطر الأسود في ورق الجريدة..! 

أقرأ في رمضان ما تساقط مني وترك في نفسي منطقة جوفاء تحتاج لامتلاء نفسي، فلا أنشغل إلا بالبدايات: بداية قصيدة، بداية مقالة، بداية رواية قد تشبه في نكهتها وصية رجل آثر أن يبدأ الحياة في الكتابة من حيث يموت... وهكذا إلى آخر البدايات التي تنتظرني أنهيها بِقَدَرٍ أصنعه محتوما..!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة