"العرب ومسألة الاختلاف".. الدولة وإعادة إنتاج الفشل   
الاثنين 1436/3/8 هـ - الموافق 29/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:01 (مكة المكرمة)، 14:01 (غرينتش)

الخير شوار-الجزائر

يتناول د. إسماعيل مهنانة الباحث الجزائري وأستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة بجامعة قسنطينة موضوع "العرب ومسألة الاختلاف" من خلال "مأزق الهوية والأصل والنسيان" كما جاء في العنوان التوضيحي للإصدار.

وينطلق الكتاب الذي صدر حديثا عن "منشورات الاختلاف" بالجزائر و"منشورات ضفاف" ببيروت ودار الأمان بالرباط من إشكالية الشرق والغرب، وهل "نحن" شرق خالص في مقابل الغرب ومدى كونه غربا خالصا؟ ومن هنا يغوص في السؤال المركزي حول الجوهر الخالص المنغلق على ذاته الذي يرى نفسه مركزا والكينونة المتعددة التي تؤمن بالنسبي والاختلاف وتدخل في محاورات لا تنتهي إلى فهم الذات والآخر.

ولأن "السياسة هي تضارب للمصالح والرؤى والانتماءات الطبقية وكذا تلك المتعلقة بالهوية والدين كان على الفلاسفة والمثقفين أن يصيخوا السمع بكل اهتمام لصوت المجتمع"، ومن هنا يرى الباحث أن الأمر تجاوز المثقفين الذين يرفضون الخروج من "الجمهورية المثالية"، وأصبح من الضروري اقتحام السؤال "الذات والكينونة" الواقع لإعادة قراءته من جديد وفق أدوات غير تقليدية، وهذا ما يحاول المؤلف تقديمه.

صراع التأويلات
وبحكم أن الصراع هو "صراع تفسيرات" بين اللاهوتي الذي "ينشئ عالمه كتفسير للنص" في وقت يحاول فيه أصحاب النزعة العلمية إحلال التفسير العقلي يرى المؤلف أنه كان لزاما على الفرد في العصر الحديث البحث عن "التأويل الدائم".

يصوغ الباحث سؤال الاختلاف وفق ما صاغه الفلاسفة الغربيون في العصر الحديث، ليسقطه على "واقعنا الشرقي" الذي يرى أنه يتهرب من قلق الأسئلة بمحاولة التقوقع على الذات، واقتراح الأجوبة اليقينية

وانطلاقا من هذا التأويل المتواصل نشأت الكثير من الإشكالات التي صاغها الكاتب في فصول للكتاب وحاول قراءتها بعيدا عن "اليقينيات المغلقة" التي انطلق من حدودها وأراد تجاوزها بمزيد من الأسئلة المتوالدة باستمرار، والفصول الثلاثة للكتاب هي: أسئلة الفكر والكينونة (الأصل، والنص، والتاريخ)، وقلق الحداثة والهوية والتأويل، وفضائل الاختلاف ومقاومة الشمولية.

ولأن الكاتب يرى منذ البداية أن الشرق ليس شرقا خالصا والغرب ليس غربا خالصا فهو يصوغ سؤال الاختلاف وفق ما صاغه الفلاسفة الغربيون في العصر الحديث، ليسقطه على "واقعنا الشرقي" الذي يرى أنه يتهرب من قلق الأسئلة بمحاولة التقوقع على الذات، واقتراح الأجوبة اليقينية التي لم تعد تقنع -حسبه- الفرد المعاصر الذي فقد يقينه الأول مع "صدمة الحداثة"، وشرع في رحلة لا تنتهي بحثا عن "تأويل دائم" لأسئلته.    

إفلاس الدولة القومية
يرى إسماعيل مهنانة أن شكل الدولة القومية -الذي أنشأته حركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية- فاشل من أساسه ولم يؤد -حسبه- إلا إلى الفشل، لأنه مبني على "أصل مفلس" في الغرب نفسه.

يذهب الباحث الجزائري بعيدا في نقده الدولة القومية وفكرة الذات الجوهر المنغلق على نفسه، لكن كل ذلك انطلاقا من أسئلة أخرى وليدة سياقات مختلفة تماما أدت في النهاية هناك إلى الحداثة، ولم تؤد ارتداداتها هنا إلا إلى "صدمة الحداثة"

ويقول المؤلف "كانت السياسات الثقافية لمعظم هذه الدول سياسات الهوية المخترعة والموجهة"، مستندا مرة إلى إدوارد سعيد الذي يرى ذلك من "مآزق القومية،" ومرة أخرى إلى فرانتز فانون الذي يرى أن الأمر يتعلق بـ"مأزق للوعي القومي" عندما أصبح الوعي القومي غاية في حد ذاته، وانغلق على نفسه فيخرج تلك الدول من حركة التاريخ شيئا فشيئا ناسية أسئلة "التأويل الدائم".

ويلخص مهنانة النتيجة على لسان إدوارد سعيد بقوله "الفكرة هي أن البشر ليسوا أوعية مغلقة، ولكن أدوات يمكن أن تتدفق عبرها أمور أخرى، فكرة الكائن البشري كمسافر يمكن أن يصبح عليه أو عليها مشاهدة أصوات وأجساد وأفكار الآخرين حتى يستطيع هو أو هي أن يصبحا شخصا آخر، ويستوعب بقدر البحر ثم يحرر الحجب والجواهر والأبواب والجدران التي هي جزء كبير من الوجود الإنساني".

ويذهب الباحث الجزائري بعيدا في نقده الدولة القومية وفكرة الذات الجوهر المنغلق على نفسه الذي أخرجها من دائرة التاريخ، لكن كل ذلك انطلاقا من أسئلة أخرى وليدة سياقات مختلفة تماما أدت في النهاية هناك إلى الحداثة، ولم تؤد ارتداداتها هنا إلا إلى "صدمة الحداثة" بتعبير أدونيس، حيث لم تنتج إلا ردود أفعال مرتكبة يحاول البعض عبثا إعادتها إلى "اليقين الأول".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة