التقنية والأدب   
الأربعاء 1436/4/8 هـ - الموافق 28/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:58 (مكة المكرمة)، 15:58 (غرينتش)

أمير تاج السر*

بديهي أننا نعيش الآن في فترة مريحة جدا إذا ما قيست بالفترات السابقة قبل عشرين أو ثلاثين عاما، حين كانت بعض الأشياء المطلوبة في حياتنا مجرد أحلام بعيدة لا يجرؤ الحالم بها أن يحاول -مجرد محاولة- اعتبارها واقعا قد يحدث ذات يوم.

كانت الطموحات المغزولة تنسى سريعا، تماما مثل روايات الخيال العلمي، نندهش من وقائعها الغريبة، وننساها بمجرد انتهاء القراءة.

وحقيقةً منذ أن أبدع الإنسان التقنية الحديثة واخترع الشبكة العنكبوتية وطورها ببرامج تشبه الأساطير فعلا، ثم اخترع الهواتف المحمولة وطورها، والمفاجآتُ الكبرى والصغرى لا تنقطع، لدرجة أن أصبحت تلك التقنية -مع الأسف الشديد- تلعب دور السجان القديم أو الإقطاعي الذي كان يضع البشر تحت إمرته ويسخرهم لمجرد تسخيرهم في شيء.

استعباد رقمي
نعم، فالتقنية الآن تسيطر وبطريقة مزعجة على معظم من تعلّم وعرف كيف يقتني أجهزة ذكية ويستخدمها، وهناك من ترك كل شيء في حياته وتفرّغ تماما للمثول بين يدي السيد الجديد في أي لحظة يطلبه أو لا يطلبه فيها.

الأدب -كواحد من نشاطات الحياة- استفاد بجدارة من فورة التقنية، وأصبحت الإنترنت من الركائز المستخدمة في أي نشاط أدبي منذ أن يبدأ فكرة في ذهن أحد وينتهي فعالية كبرى أو كتابا سيقرؤه الناس

وبالطبع، وبرغم استعباد التقنية للإنسان، فإنه استفاد منها كأقصى ما تكون الفائدة، وفي جميع المجالات التي قد تخطر بالبال والتي لا تخطر. وليس أعظم من تواصل حر ومجاني يجري بين الأفراد والجماعات، في أي زمان ومكان في الكرة الأرضية، حيث يتم تبادل الفرح والحزن والذكريات، والصور ونغمات الموسيقى، وحتى الكتب والورود، عبر برامج بسيطة في البناء، وبسيطة في الاستخدام.

ومعروف الآن أن أشخاصا كثيرين لا يستطيعون الاستغناء عن مواقع -مثل فيسبوك وتويتر ولينكد إن- منحتهم حرية الكلام وأحاطتهم بأصدقاء لم يكونوا يستطيعون العثور عليهم في الواقع بكل تأكيد. ويعتبر برنامج "واتساب" المخصص للهواتف المحمولة صدرا كبيرا ومتسعا، يضم كل من احتاج إلى ضم، يُلحقه بالآخرين الذين يشبهونه، حيث يتبادل معهم المشاعر والآراء فلا يظل وحيدا أبدا.

الأدب -كواحد من نشاطات الحياة- استفاد بجدارة من فورة التقنية، وأصبحت الإنترنت خاصة من الركائز المستخدمة في أي نشاط أدبي منذ أن يبدأ فكرة في ذهن أحد وينتهي فعالية كبرى أو كتابا سيقرؤه الناس.

بات بإمكان الكاتب أو الشاعر مثلا طرح فكرته على أصدقائه والحصول على نتائج وآراء في نفس اللحظة، وبات بالإمكان طرح الغلاف المقترح لكتاب ما لحصد الآراء أيضا وتقييمها، وبالطبع إرسال المخطوط إلى جهة النشر، وتلقيه للنظر فيه، وإعادة إرساله في خطوات لن تستغرق سوى دقائق معدودة، وكانت قبل ذلك تستغرق أسابيع وربما شهورا، إن كان ثمة خلل في العنوان، أو خطأ من البريد.

وما زلت أذكر روايتي الأولى "كرمكول" التي كنت -ومن أجل القيام بتلك الخطوات التي ذكرتها- أسافر لملاقاة الناشر.

وأذكر أيضا قصائدي التي نشرتها أيام الشعر، كيف كنت أذهب لتسليمها شخصيا في مكاتب المجلات بالقاهرة، وكنت أعيش في طنطا، فيضيع مني يوم كامل في السفر والعودة.

تقريب البعيد
كما أن الكاتب أو المبدع عموما، وحين ينشر نصا ما، لم يكن يعرف ماذا حدث لنصه، وإن كان قد وصل إلى متلقين أو لم يصل، ولعل هذا الغموض الذي يحيط بمصير النص ميزة كبرى لأن معرفة المصير غالبا محبط جدا.

برنامج سكايب.. ذلك الساحر القدير الذي لا يشعرك بأن المسافات البعيدة قد قصرت فقط، ولكن يمنحك نفس الإحساس الذي تحصل عليه حين تجلس واقعيا بجوار شخص آخر وتحدثه!

أتحدث عن برنامج "سكايب"، ذلك الساحر القدير الذي لا يشعرك بأن المسافات البعيدة قد قصرت فقط، ولكن يمنحك نفس الإحساس الذي تحصل عليه حين تجلس واقعيا بجوار شخص آخر وتحدثه. وأظن أن هذا البرنامج من الحيل التي يمكن عن طريقها استضافة كل مبدع في أي زمان وأي مكان، وسط حشد من الناس، وذلك بإلقاء محاضرة، أو التحاور مع الآخرين عن تجربته، أو الحديث عن عمل من أعماله، فهو لا يحتاج سوى جهاز حاسوب عند المبدع، وشاشة كبيرة مرتبطة بحاسوب آخر عند المتلقين، وبالتالي نقول إن الأدب استفاد بقوة من التقنية الحديثة.

في العام الماضي، كانت هناك مترجمة تعمل على نص لي لنقله إلى الإنجليزية، ولأن المترجم بحاجة إلى الكاتب دائما لتوضيح بعض الأشياء التي قد تستعصي عليه، وكان ذلك يتم قديما بالمراسلات التي تستغرق شهورا، فقد جلسنا ساعة واحدة عبر برنامج "سكايب" وأنجزنا معا ما كان يمكن أن يعطل مشروعا نطمح إليه لو كان ذلك يحدث في زمن آخر غير هذا الزمن.

بنفس القدر كانت لي منذ عدة أيام -وعبر نفس البرنامج- ساعة من اللقاء والنقاش الحر المثمر مع عدد كبير من طلاب إحدى الجامعات الأميركية في المنطقة، حول أحد النصوص، وهذا ما ذكّرني بفضائل التقنية لكتابتها.

كنت مع الطلاب والمشرفين في القاعة -رغم بعدي آلاف الأميال- أستمع للأسئلة وأجيب عليها، وأحس بحرارة اللقاء وحماس الطلاب في اكتساب المعرفة، ولم يكن ينقصني سوى شد الأيدي في التحية ليكون اللقاء حقيقيا يحدث في الواقع.

عموما، فضائل التقنية كثيرة في كل مجال، وحتى في مجال الأبحاث لم يعد الباحث بحاجة إلى مكتبة واقعية يدخلها لينفض غبار الكتب بحثا عن مراجعه، فالمكتبات الرقمية متاحة، وكل ما تحتويه من مراجع مسخر في خدمة من كانوا محظوظين، ولحقوا جزءا من جنون هذا العصر وأحلامه التي لم تعد أحلاما على الإطلاق.
_____________
* روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة