جدل بشأن مصير الآثار في تونس   
الاثنين 18/8/1435 هـ - الموافق 16/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)

خميس بن بريك-تونس

شهدت تونس مؤخرا تحركات مكثفة لموظفي وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية الذين دخلوا في إضرابات متتالية احتجاجا على قرار وزير الثقافة تأجير بعض المعالم الأثرية للمستثمرين الخواص بدعوى إحياء مخزون التراث وحمايته من الإهمال والسرقة.

ونفّذ أعوان وكالة إحياء التراث -وهي مؤسسة مستقلة تابعة للدولة تشرف على بيع تذاكر الدخول للمتاحف والمعالم الأثرية وتتحمل أعباء صيانتها- إضرابا لثلاثة أيام الأسبوع الماضي بعدما كانوا الشهر الماضي قد توقفوا يوما عن العمل بالمتاحف والمواقع.

ويقول الكاتب العام لنقابة العمال بالوكالة نضال بن خليفة إنّ قرار وزير الثقافة مراد الصكلي كان "متسرعا ومفاجئا"، معتبرا أن هذا القرار "خطوة نحو بيع والتفريط" في مخزون التراث التونسي الذي يعود تاريخه لآلاف السنين ويحوي أهم الآثار في العالم.

وكان وزير الثقافة كشف مؤخرا عن توجهه لإشراك المستثمرين الخواص في الاستغلال الثقافي للمعالم الأثرية التي تتوزع في كامل البلاد وتمسح آلاف الهكتارات ولا يتم استغلال سوى جزء بسيط منها، بينما تبقى أغلب المواقع الأثرية مهملة ومهمشة.

ويرتكز قرار الوزير تأجير بعض المعالم الأثرية على مقاربة تسعى لحماية المخزون الأثري من الإهمال والضياع، وأيضا من أجل حمايته من النهب والسرقة التي أصبحت منتشرة بصفة أكبر بعد الثورة نظرا لعدم وجود أجهزة مراقبة وقلة الحراسة.

موقع أثري في سليانة (شمال غرب) اجتاحته المساكن غير القانونية (الجزيرة)

تخوف
لكن النقابي نضال بن خليفة يقول للجزيرة نت إن وكالة إحياء التراث راسلت مرارا السلطات لتكثيف مراقبة المعالم الأثرية التي يشرف عليها معهد التراث التابع لوزارة الثقافة لكن "دون جدوى"، مؤكدا أنه كانت هناك "رغبة لإضعاف المراقبة لفتح الباب أمام تأجير المواقع".

ويقول إن سلبيات إسناد الاستغلال الثقافي للمعالم الأثرية إلى المستثمرين تكمن في إمكانية إلغاء وكالة إحياء التراث وتسريح عمالها، ناهيك عن إمكانية وقوع سرقات وعمليات نهب لقطع أثرية ذات قيمة نادرة في ظلّ غياب مؤسسات حكومية ترعى حماية الآثار.

وانتقد المسؤول النقابي توجه وزير الثقافة لإحداث مؤسسة مستقلة تهتم بإدارة متحف باردو العريق الذي ترعاه كل من وكالة إحياء التراث والمعهد التونسي للتراث، معتبرا أن هذا القرار يهدف لتجفيف موارد الوكالة التي تمول صيانة المعالم الأثرية.

غير أنّ المستشارة الإعلامية لوزير الثقافة جيهان التركي أكدت للجزيرة نت أن التوجه لإشراك المستثمرين الخواص في تنمية المواقع وحسن استغلالها "ليس المقصود به إضعاف أي مؤسسة من مؤسسات الدولة أو طرد موظفيها". 

وقالت إن الهدف من إشراك المستثمرين في إحياء التراث وتطوير استغلال المعالم الأثرية في إطار عقود تمتد بين عشرين وخمس وعشرين سنة هو المحافظة على المعالم الأثرية من الإهمال والإتلاف والنهب والبناءات التي اجتاحت الكثير من المواقع، رغم أن القانون يمنع ذلك.

جيهان التركي: رعاية الآثار تتطلب تكاليف لا تقدر عليها الدولة الآن (الجزيرة)

تهريب
وعقب الثورة تمّ الكشف عن سرقة وتهريب قطع أثرية نادرة لعل أبرزها سرقة تمثال "غانيماد" العام الماضي من متحف الفن المسيحي المبكر بقرطاج (العاصمة)، علاوة على تعمد مواطنين بناء مساكن غير قانونية على مواقع أثرية مما شوّه مناظرها.

وقالت جيهان التركي للجزيرة نت إن حماية المعالم من هذه الانتهاكات ومن السرقة والنهب والعمل على حسن تطوير استغلالها يتطلب نفقات مالية كبيرة لا تقدر الدولة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها على تحمل أعبائها لوحدها.

لكنها شددت على أن إشراك المستثمرين الخواص في الاستغلال الثقافي للمعالم الأثرية سيتم وفق شروط محددة تقيّد المستثمرين بضوابط يمنع خرقها، ومن بينها إخضاع أي عملية صيانة أو ترميم أو استغلال للاختبار الفني وموافقة الباحثين في المعهد التونسي للتراث.

من جانب آخر، يرى الأستاذ الجامعي في التاريخ ناجي جلول أن التوجه نحو إشراك المستثمرين في إحياء مخزون التراث والمساهمة في حمايته وحسن توظيفه السياحي والثقافي "ليس فكرة سيئة"، لافتا إلى أن الكثير من الدول المتقدمة في العالم تعمل بهذه المقاربة.

وقال للجزيرة نت إن تونس تحتوي على أبرز الحضارات في العالم التي يمتد تاريخها لأكثر من ثلاث آلاف سنة من قرطاج إلى العصر الإسلامي، مؤكدا أن هذه المعالم أصبحت مهددة نتيجة سوء استغلالها وحمايتها مما يتطلب -من وجهة نظره- إشراك القطاع الخاص لاستعادة إشعاعها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة