"حليب أسود".. رواية عن أسرار الكتابة والأمومة   
الجمعة 1437/7/23 هـ - الموافق 29/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:15 (مكة المكرمة)، 12:15 (غرينتش)

هيثم حسين

مدفوعة بقوة الأمومة وعطائها، وعشق الكتابة وأسرارها، تنقل التركية ألف شفق في يومياتها "حليب أسود" الصراعات التي اعتملت في داخلها قبيل زواجها ثم أثناء حملها بابنتها وإنجابها، ثم يوميات الكاتبة الأم، ومحاولات التوفيق بين الكتابة والأمومة، والتساؤل عما إن كان أحد الأمرين يعارض الآخر أو يقف في طريقه.

تخوض شفق في مذكراتها (منشورات مسكيلياني/تونس، ترجمة أحمد العلي 2016) في مواضيع الأمومة والكتابة والأدب، وتعرض مختلف الآراء التي تتناول هذه العلاقة الشائكة، وتنقل حكايات عدد من الأمهات الكاتبات، وبعض حكايات أولئك اللائي فضلن الكتابة على الأمومة، وتنقل وجهات نظرهن ودفاعهن عن اختياراتهن، معلقة عليها تارة، ومعجبة بهن تارة أخرى.

تصف شفق (ستراسبورغ/فرنسا 1971) كتابها بأنه قصة مواجهتها لتعددها الداخلي، وكيف تعلمت أن تتحد وتصير واحدة؛ حيث كانت تقدم نفسها على أنها كاتبة، ومترحلة، وعالمية، ومحبة للصوفية، وسلمية، ونباتية. وتغير ذاك الترتيب بعد أن أصبحت أمًّا.

كما تقول إنها كتبت كتابها بحليب أسود وحبر أبيض، ومزيج من القص والأمومة والتيه والاكتئاب، وترغب في قيادة قارئها في رحلتين معاً: واحدة إلى وادي الأطفال وعالم الأمومة، وأخرى إلى غابة الكتب والكاتبة، وذلك بحثاً عن إقامة توازن بين الأدوار المتعددة والمسؤوليات المختلفة للمرء في حياته.

ألف شفق تقول إنها كتبت يومياتها بحليب أسود وحبر أبيض  وترغب في قيادة قارئها في رحلتين معاً: واحدة إلى عالم الأمومة، وأخرى إلى غابة الكتب والكاتبة

حليب وحبر
ترمز شفق عبر المزج بين الحليب والسواد إلى السوداوية التي تلبستها بعد الولادة، وكيف حوّلت تلك السوداوية الحليب الذي ترضعه لابنتها إلى لون أسود متخيل، وذلك في إشارة إلى الإغراق في الكآبة، في حين أن الحليب بلونه الأبيض الناصع يرمز إلى البياض والسلام والأمان والبراءة والطفولة، ويأتي الجمع بين نقيضين للدلالة على اغتناء الواقع بمختلف النقائض التي ترسم صورة الحياة في النهاية.

تنقل صاحبة "لقيطة إسطنبول" الاكتئاب الذي يجتاح نفسيات عدد من الأمهات بعد الولادة، وكيف يتمكن من بعضهن، في حين تنجو أخريات منه بقوتهن وإصرارهن على التفاؤل والأمل، وترسم المسارات التي تحرتها وقادتها في رحلتها نحو التصالح مع ذاتها وجسدها، والعودة إلى حياة الانسجام والتناغم بين دورها كأم وعملها ككاتبة.

تشير شفق إلى أن الروائي بصورة ما أناني، وعليه أن يكون كذلك كي يستطيع إنجاز أعماله التي تتطلب منه نوعاً من العزلة، أما الأمومة فأساسها العطاء. وتجد أن الروائي يبني غرفة صغيرة داخل ذهنه ويقفل الباب عليه كي لا يدخل عليه أحد. يخبئ هناك أسراره وطموحاته عن كل الأعين المتطفلة. أما الأم فعلى كل أبوابها ونوافذها أن تكون مشرعة صباح مساء، يستطيع أبناؤها أن يدخلوا من أي مدخل يختارونه، والتجول حيثما طاب لهم ذلك، فليست للأم زاوية لأسرارها.

تنقل شفق الأصوات المتعاركة في داخلها، توجد بينها السلام والتناغم بطريقة مميزة، فالنسوية المتمردة تهدئ من ثورتها وتمردها وتذعن لسلطة الأمومة والكتابة، وكذلك الشخصية المثقفة وتلك الهادئة المذعنة. تقول إن صورها الداخلية وأصواتها الخفية تقف جميعاً على الخط نفسه، لا أحد يحاول أن يحكم الآخر، وتصرح: "أنا جميعهن، بكل مذاقهن ومناقبهن، وإيجابياتهن وسلبياتهن، وقصصهن جميعها هي التي تشكل كتاب أناي".

صاحبة "الفتى المتيم والمعلم" تؤكد أنها بعد كل اللمحات التي رأتها من حيوات الكاتبات في الشرق والغرب، في الماضي والحاضر، عرفت أن كل حالة منفصلة عن الأخرى، وأن لكل كاتبة خياراتها

معادلة واحدة
تلفت شفق إلى أنها ستجعل الشخصيات التي تسكنها تتعلم الحياة سوياً، وتجزم أنه إن كان صوت واحد فقط منهن مسجوناً، فإن الأصوات الأخرى لا تعدّ حرة، وتلفت كذلك إلى أننا نتعلم كيف نعيش، ونكتب ونحب بأقصى ما يمكننا، ولكن فقط بأن نتماهى مع أصواتنا، وتشير إلى أن نمطها في الحياة مبني على التحدي والمثابرة لتحقيق الأهداف المنشودة.

شفق التي تربت في كنف والدتها الوحيدة، تنتصر للأنوثة والأمومة في كتابها، هي التي شعرت بأنها تؤدي بعض واجبها وتقديرها لأمها حين اختارت في بداية حياتها الأدبية اسم والدتها ليصبح اسم شهرتها "ألف شفق" الاسم الأول هو الحرف الأول من العربية، والثاني هو اسم أمها الأول، ويرمز إلى الفجر.

ولها علاقة خاصة مع الأسماء، فاختارت اسم ابنتها "شهرزاد زيلدا"، تقول إن "الاسم الأول هو اسم أعظم راوية في تاريخ الشرق، والاسم الثاني من زيلدا فيتزجيرالد"، واسم ابنها "أمير زاهر"، الاسم الأول مأخوذ من تقاليد الشرق القديمة، والاسم الثاني مأخوذ من قصة لبورخيس، ومن كتاب لباولو كويلو يحمل العنوان ذاته.

حققت روايتها "قواعد العشق الأربعون" شهرة واسعة، لكن الكاتبة تركت محاضراتها في جامعة أريزونا بأميركا، واختارت الاستقرار متنقلة بين لندن وإسطنبول، وتقول إنها عرفت كيف تبقي على البدوية المترحلة في داخلها مع الوفاء بمتطلبات الاستقرار.

تؤكد صاحبة "الفتى المتيم والمعلم" أنها بعد كل اللمحات التي رأتها من حيوات الكاتبات في الشرق والغرب، في الماضي والحاضر، عرفت أن كل حالة منفصلة عن الأخرى، وأن لكل كاتبة خياراتها، وأنه لا توجد هناك معادلة واحدة تنتظم الأمومة والكتابة وتناسب الجميع، بل هناك مسارات مختلفة وجميعها متساوية وتقود إلى الهدف نفسه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة