الثائر.. رواية تؤرّخ لصراع قديم جديد باليمن   
السبت 17/8/1435 هـ - الموافق 14/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)

عبد الغني المقرمي-صنعاء

يحاول القاص اليمني محمد الغربي عمران في روايته الأخيرة "الثائر" أن يقدِّم تاريخا في طبق سردي شيق، أو أن يشذّب من الفضاء التاريخي ببعده الاحتمالي حتى يتّسع لرؤية سردية، يتمازج فيها الحدثُ بتقنيات العرض الفنية في لغة تقترب كثيرا من مفهوم الشاعرية السردية.

وبين السردي والتاريخي تظهر شخصية الغربي مثقلة برؤى سياسية متشبّعة، حاول أن يخفف من حدّتها بوضعها خلف مساقات اجتماعية تلمِّح إليها، وتحقِّق عنصر الإثارة بأسلوب مبالغ فيه بعض الأحيان يفصح عن ماهية الموقف الفكري للمؤلف، لكن الحامل السياسي مع ذلك ظل هو الطاغي المتسيِّد على أحداث الرواية: من عتبة المدخل حتى سطورها الأخيرة.

شرَك العنوان
تتعدّد الإيماءات الدلالية لحرف التعريف (الـ) ما بين استغراقية وعهدية وإشارية حالية، وفي القراءة الأولى لعنون الرواية (الثائر) تكون الدلالة الإشارية هي الأقوى، مما يوهم بأن هذه الرواية وُلدت في محاضن ثورة 11 فبراير/شباط التي وضعت اليمن في سياق دول الربيع العربي عام 2011م.

لكنّ مصيدة العنوان سرعان ما تتخلّى عن مدلولها الإشاري بعد أن تنجح في وضع القارئ في سياق أحداث بالغة الإثارة احتوتها فترة من فترات التاريخ اليمني الحديث مرّ عليها ما يزيد على عقود ستة، وهذا الاستدعاء التاريخي لا يهدف إلى محاكمة هذه الفترة، وإنما يحاول قراءة واقع اليوم في ضوء معطيات الأمس، خاصة أن صراع الأمس نجح إلى حد كبير في إعادة إنتاج نفسه، وبين ذات الطرفين، مع تبادل في المواقع، وهنا تفقد القيمة الزمنية انتماءها، وتتحول إلى خلفية باهتة لأحداث الصراع القديم الجديد.

يسلط المؤلف الضوء على توثّب في الإرادة الجمعية للثورة على النظام الإمامي، وهنا ينجح المؤلف إلى حد كبير في المزاوجة بين الثورة الفردية لـ"شيزان"، والثورة الكبرى للثوار الذين صنعوا العهد الجمهوري عام 1962

تدور أحداث الرواية حول بطلها باسْمَيهِ: الحقيقي (شيزان)، والمستعار (قمر)، منذ إحراق منزل والده، واتهام والدته في شرفها، وما تلا ذلك من تهجير قسري لهذه الأم المسحوقة التي ثكلت مرتين: في زوجها، وشرفها.

مضى شيزان على وجهه شريداً يبحث عنها في أصقاع اليمن المنقسم، وينتهي به المطاف إلى مدينة صنعاء التي ضاقت عليه في مساجدها وحلقات العلم فيها، وأوصلته إلى سجونها بتهمة معارضة نظام الحكم الإمامي الذي كان قائما آنذاك، ثم منحته زاوية ضيقة في أحد مقاهي صنعاء القديمة يسمّى "سمسرة وردة" اتخذ منها منطلقا لثاراته من كل الذين تسبّبوا في إيذائه.

كان يفعل ذلك في غزوات فردية ابتكرت ألوانا من التمويه يستثمر فيها شيزان ملاحة وجهه، وقدرته على أن يبدوَ من خلف لثامه فتاةً فائقة الجمال (قمر)، مما يجعل أحداث الرواية تشبه إلى حد كبير أحداث المسلسل السوري الأردني المشترك "دليلة والزيبق" الذي عُرض في سبعينيات القرن الفائت.

وفي الأثناء، يسلط المؤلف الضوء على توثّب في الإرادة الجمعية للثورة على النظام الإمامي، وهنا ينجح المؤلف إلى حد كبير في المزاوجة بين الثورة الفردية لشيزان، والثورة الكبرى للثوار الذين صنعوا العهد الجمهوري عام 1962م.

بين الفني والتاريخي
تنجح الرواية إلى حد بعيد في الانتصار لطبقة البسطاء والمسحوقين، وكشف صور الخداع والنفاق التي تضفي على مشاهد الرواية جوا ملبدا، كخلفية ديكورية لتلك الحقبة، لكن الرواية ذاتها خذلت التاريخ مرتين: مرة حين بالغت في التشنيع على أعيان المجتمع وطبقاته العليا متناسية أن ثورة 1962م وما قبلها كانت نخبوية، وأن كثيرا من هؤلاء الأعيان انضموا إلى الفريق المناهض للحكم الإمامي، فكانوا وقود الثورة قتلاً، وتشريدا، وقمعا واعتقالا.

الغربي عمران لم يحاكم ثورة 1962 لكنه قرأها بمعطيات عصره (الجزيرة)

كما يمثّل الانحياز إلى الأساطير والخيال الذي تضمنته بعض أحداث الرواية -وإن حمل أفكارا فلسفية- خذلانا آخر للتاريخ، خاصة أن الرواية العربية الحديثة تخلصت من إسار الخرافة، واستعاضت عن ذلك بتباينات الواقع الطافحة دهشة وإثارة.

كما نجحت الرواية في الانتصار لبعض قضايا المرأة، وحاولت الغوص في عمق المجتمع وصولا إلى المسكوت عنه، لكنها فقدت في بعض مفاصلها التمييز بين الحالات الفردية والظواهر الاجتماعية، وربما كانت المبالغة كتقنية من تقنيات الإثارة السردية هي التي أوقعت الرواية في هذا الفخ.

صدرت الرواية هذا العام في 398 صفحة من القطع المتوسط، عن النادي اليمني للقصة (ال مقة).

يُذكر أن القاص الغربي عمران فاز بجائزة الطيب صالح للرواية عام 2012م عن روايته (ظلمة يائيل).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة