عن حياة الكتابة وموتها   
الجمعة 24/9/1436 هـ - الموافق 10/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)

أمير تاج السر*

سئلت مؤخرا عما طرحه الكاتب النرويجي ديفد شيلدس في كتابه "جوع الواقع" بما سماه موت الرواية، وأن الرواية بالفعل تحتضر في حبكتها ومواضيعها وأساليبها، وأن على الكتّاب أن يكفوا عن التخيل والكتابة.

حقيقة لم أقرأ كتاب شيلدس هذا، وقد سمعت عنه من قبل من أحد أولئك الذين يهوون تجميع نظريات الكتابة وتجارب بعض الكتاب المهمين ودراستها، على أمل أن توحي لهم بما يكتبونه، وغالبا ما يكون هؤلاء عشاقا للإبداع ولكنهم لم يستطيعوا أن يغذوه بحرف واحد.

وحقيقة منذ عرف الناس الإبداع عرفوا مضاداته وأساليب إحباط المجيدين فيه، فدائما ما يوجد نقد غير منصف وشرس يطال عملا رائعا، لا لشيء سوى أنه لا بد من وجود هذا النوع من النقد والتهجم.

وردة وطوبة
دائما ما يوجد كتاب ناجح جدا تتراكض أخبار نجاحه إلى الصحف والمجلات، وخلفه حجارة من الإفشال تركض أيضا محاولة إيقاف نجاحه.

وأحيانا حتى في اللقاءات المباشرة بين المبدع الحقيقي وجمهوره في فعالية ما أو ندوة أو محاضرة هناك من يستمع إلى المبدع بشغف ويلقي إليه بوردة، وهناك من جاء يحمل طوبة بداخله، وحتما سيقوم بإلقائها في أي لحظة بغض النظر عما إذا كان ما سمعه يستحق المتابعة أم لا؟

من السهل كتابة نظرية تقول إن الأدب السوداني مثلا استكمل دورته من ناحية الأفكار والمضامين وتوظيف الواقع، وتوقفت كل الإضافات عن كاتب معين، لكن تظل تلك النظرية سطورا بلا مواهب ولا أدوات جيدة تدافع بها عن نفسها

في بداياتي، كنت حساسا جدا لمسألة الورد والطوب هذه، فقد كنا نلقي الشعر في المهرجانات ونسمع ما يسرنا وما يجعلنا نتمنى لو لم نكتب حرفا على الإطلاق.

وأذكر أيام كنت طالبا في مصر، كان هناك ثلاثة أشخاص يتبعونني في كل فعالية أشارك فيها ويقفون ليسبوا ما قدمته ويذهبون.

كنت أعاني حقيقة، وأتوعد نفسي بمعاقبتها إن كتبت مرة أخرى، وتنزاح فترة المعاناة لأعود للكتابة مجددا، وبمرور الزمن لم تعد مضادات الكتابة تخترق إحساسي كثيرا، واعتدت على سماع الجيد وغيره، وأصبح لي مطاردون أكثر شراسة سهلت مهمتهم سهولة الاتصال في زمن حقق فيه الاتصال ما لم يحققه مجال آخر.

وهذا لا ينطبق عليّ وحدي ولكن على كل من حاول أن يقدم شيئا فنجح وأخفق، وكان من الواجب إن نجح أحد أن يتم تشجيعه، وإن أخفق أن تتم مساعدته حتى يعبر إلى النجاح.

أعود إلى مسألة احتضار الرواية واقترابها من الموت، وأن لا حياة لمن يكتبها، وأجزم بأن ذلك كله تنظيرات استهلاكية لا علاقة لها بالواقع الذي هو أكبر وأعمق، هي نظريات تطرب البعض عند سماعها وتداولها لكنها تقدم فرضيات ولا تقدم براهين جيدة وأكيدة على تلك الفرضيات.

من السهل جدا الادعاء بأن الخيال لم يعد قادرا على استيعاب الفن، ومن واجب الفن أن يبحث عن مصدر إلهام آخر، ولكن الخيال سيظل ملهما للفن ويظل الفن موجودا ومتجددا.

من السهل كتابة نظرية تقول إن الأدب السوداني مثلا استكمل دورته من ناحية الأفكار والمضامين وتوظيف الواقع، وتوقفت كل الإضافات عن كاتب معين، لكن تظل تلك النظرية سطورا بلا مواهب ولا أدوات جيدة تدافع بها عن نفسها أمام الأفكار والمضامين المتجاوزة التي يتسم بها الأدب السوداني كل يوم.

حتى داخل نفس الأفكار، بمعنى أن تكون هناك فكرة ما تم تداولها بواسطة عدة مبدعين، يوجد اختلاف أكيد، فكل واحد يستخدم الفكرة بطريقة معينة، يضخها بطريقة معينة، ويصنع لها شخوصا مختلفين كل الاختلاف عن شخوص مبدعين آخرين تناولوها.

كم مرة شاهدنا أفلاما وقرأنا روايات تتحدث عن نهاية العالم، أو عن المسيحية، أو الثورة الفرنسية، ونستمتع بكل إبداع على انفراد، ولا نتذكر معه ذلك الذي تناول نفس المواضيع.

خلود الكتابة
وحتى داخل إبداعنا العربي توجد هذه الاختلافات الكثيرة، وتوجد التطورات التي لن تجعل نظرية اسمها موت الرواية تأتي للتربع على تلة محبطاتنا، وما أكثر هذه المحبطات التي تلازم الفن والإبداع في الوطن العربي!

الكاتب سيحيا بلا شك رغم إحباطات النظريات، سيكتب الأفكار الجديدة والأفكار القديمة بعد معالجتها من جديد، وتلك النظريات التي تتحدث عن الموت لا وجود لها إلا في مخيلات من ينتجونها

إذن، ماذا يفعل الكاتب المتيم بكتابته منذ زمن، أو الذي انفتحت أمامه السبل أخيرا بعد عناء، أو الذي سيبدأ الآن سكة الكتابة، مغمضا عينيه عن التجارب المحبطة لمن سبقوه؟

 لا شيء تقريبا، ورأيي دائما في هذه المواقف هو أن يستمر كل من رأى أن ثمة دربا يلائمه في الحياة سائرا في هذا الدرب.

وإذا ما أراد الشخص أن يصل لهدفه مهما كان صغيرا عليه ألا يلتفت للوراء متلمسا سير من سبقوه، عليه أن يطالع إبداعهم فقط، ويستفيد من تجاربهم إن كانت مفيدة، ولكن السير لا تعطي مصداقية، ذلك أنها -خاصة في الوطن العربي- تكتب بحبر تم غسله وتطهيره بمطهرات شتى قبل أن يخط به حرف واحد إلا في حالات نادرة جدا.

لكن لا بأس من مصادقة المبدعين والتسلل إلى نقاط قوتهم والاستلهام منها، وأعرف كتابا من الشباب يتخذون كتابا مخضرمين أدلة وقناديل يستضيئون بها حتى يتقدموا.

الكاتب سيحيا بلا شك رغم إحباطات النظريات، سيكتب الأفكار الجديدة والأفكار القديمة بعد معالجتها من جديد، وتلك النظريات التي تتحدث عن الموت لا وجود لها إلا في مخيلات من ينتجونها، ولو كانت الآداب والثقافات تموت بلا ظلال ولا امتدادات مستقبلية لدفنت كل الحضارات ولما أنتج العالم في كل عصر حضارة جديدة تستند إلى حضارة قديمة.

أخيرا، تحيا الكتابة بخيرها وشرها، وتحيا الرواية خاصة، مهما سعى البعض لتدميرها بغزارة الإنتاج بلا موهبة ولا دراية.
______________

 * كاتب وروائي سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة