لا بديل لمؤتمر سلام على غرار مدريد   
الأربعاء 1422/5/26 هـ - الموافق 15/8/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

موسكو - علي الصالح:
حفلت الصحف الروسية بتغطية واسعة للوضع في الشرق الأوسط شملت معظم جوانب الصراع العربي الإسرائيلي بما فيه الجانب الإسلامي، وطغت عمليا على بقية أحداث السياسة الخارجية والداخلية في روسيا باستثناء زيارة وزير الدفاع الأميركي إلى روسيا.

الشرق الأوسط
كانت تغطية الأحداث في الشرق الأوسط الحدث الأكثر بروزا في الصحافة الروسية، فقد استغلت الصحافة "الليبرالية" العملية الاستشهادية في التاسع من أغسطس/آب الجاري لشن حملة مسعورة ضد ما أسمته بـ"الإرهاب" ضد السكان المدنيين وضد المهاجرين من روسيا، بل واستخدمته للطعن في سياسة بعض الدول الإسلامية. في المقابل برزت أصوات معارضة لهذا التحيز المغرض، ولم يخل الأمر من أصوات متعقلة دعت إلى التحرك الفوري وتوسيع قائمة وسطاء التسوية تفاديا لاستمرار تفاقم الأوضاع.

تحيز ليبرالي متعمد
عناوين افتتاحيات وتعليقات الصحف الليبرالية كشفت تحيزها التقليدي لصالح الاحتلال الإسرائيلي، فعنوان صحيفة كمسمولسكايا برافدا "أبواب الجحيم مفتوحة أمام إسرائيل: هذا ما أعلنه منظمو العمل الإرهابي الدموي في القدس"، في حين كان عنوان صحيفة نيزافيسيمايا "تطرف الانتحاريين الأفراد في الشرق الأوسط ومقدونيا والشيشان يتم إعداده بدقة من قبل أحد ما". ونقرأ في عدد آخر للصحيفة نفسها العنوان التالي "لقد أعذر من أنذر, أو اقتراح موجه لمليون يهودي روسي بمغادرة إسرائيل".

أما صحيفة إزفيستيا فعنوانها "فنديتا شرق أوسطية, أو زعيم الإرهابيين (يقصد حسن نصر الله) يدعو لإراقة دماء الإسرائيليين". وجاء عنوان صحيفة كومرسنت ديلي "إيران تريد توحيد جميع المسلمين للنضال ضد أميركا وإسرائيل".

ما وراء العناوين
اللوحة التي ترسم تحت هذه العناوين تبدو لوحة واحدة وكأن خطوطها وضعت في مركز واحد، ذلك أن أي عرض لمستجدات الوضع في الأرض المحتلة لابد أن يقتضي التذكير بتفجير مرقص "دولفي" ومقتل شباب وفتيات من اليهود "الروس" ليس لجذب عطف الرأي العام الروسي فحسب، بل ولدفع السلطات الروسية إلى حماية "مواطني الأمس".

ففي تعليق صحيفة نيزافيسيمايا آنف الذكر حول الإنذار الموجه لليهود الروس من قناة تلفزيونية في قطر نقرأ "نحن أمام إنذار عن تفرع جديد للجهاد مما يعني إضافة ومضات جديدة لما يجري في المنطقة.. وبالتالي ثمة دافع ليس لإمعان التفكير بما يجري بل على الأغلب لإحداث تعديلات على نهج الدبلوماسيين الروس إزاء الشرق الأوسط".

رد مدرك

الصحافة الغربية وصحافة أساطين المال تبالغ في عرض الأعمال الانتحارية وتضخيمها عمدا لتبرير أعمال إسرائيل في حين تلتزم الصمت حيال أعمال القمع الإسرائيلية.. على الرغم بأنه سبقت العمل الانتحاري الأخير أعمال نفذتها إسرائيل وكان ضحاياها من الفلسطينيين أكثر من ضحايا تفجير التاسع من أغسطس/ آب

سافرونتشوك/
سوفيتسكايا روسيا

بالمقابل تفردت صحيفة سوفيتسكايا روسيا بنشر تحليل مكثف للوضع في الشرق الأوسط كتبه المفكر الروسي فاسيلي سافرونتشوك وتركز على دحض أحابيل الدعاية الصهيونية في روسيا والرد عليها.. ونقرأ في تفاصيله "الصحافة الغربية وصحافة أساطين المال (يقصد أثرياء اليهود في روسيا) تبالغ في عرض الأعمال الانتحارية للفلسطينيين وتضخيمها عمدا لتبرير أعمال السلطات الإسرائيلية في حين تلتزم الصمت حيال أعمال القمع الإسرائيلية المتشددة.. مع أنه سبقت العمل الانتحاري الأخير أعمال إرهابية عدة نفذتها الآلة العسكرية الإسرائيلية وكان ضحاياها من الفلسطينيين أكثر من ضحايا تفجير التاسع من أغسطس/ آب".

وتابعت الصحيفة تقول "لو تجردنا عن العواطف وألقينا نظرة موضوعية على الوضع في الشرق الأوسط لبات واضحا لنا أن السبب الرئيسي للتوتر وتفشي الإرهاب والعنف في المنطقة هو رفض تل أبيب تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بالتسوية في الشرق الأوسط والاتفاقيات التي تم التوصل إليها لاحقا". وبعد عرض مكثف لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة خلصت الصحيفة إلى القول "تلك هي الحقائق التاريخية.. ولن تفلح في إخمادها موجات الصراخ المنافق عن الإرهاب والعنف من قبل الفلسطينيين".

بريماكوف يعدل ميتشل
ونشرت صحيفة موسكوفسكي نوفوستي (أنباء موسكو) مقالا كتبه السياسي المعروف يفغيني بريماكوف أوردته تحت عنوان "ينبغي التحرك فورا"، وأشار فيه إلى احتمال وقف المجرى المأساوي للأحداث بعد أن أقرت الحكومة الإسرائيلية برغم "موقف شارون" بدء المباحثات مع الفلسطينيين، وخاصة إذا كان قرار الحكومة الإسرائيلية يتضمن تغييرا فعليا في الموقف الإسرائيلي. وتم التأكيد على ضرورة الشروع فورا في تنفيذ خطة ميتشل التي حظيت بموافقة الجانبين، بيد أن الأمر يتطلب -حسب بريماكوف- إدخال بعض التعديلات، واقترح أن يتم بعد الإعلان مجددا عن وقف إطلاق النار من قبل الطرفين الشروع فورا في تنفيذ إجراءات فعلية موجهة إلى الالتزام بهذا القرار. وأضاف أنه ينبغي على إسرائيل أن تقوم فورا بسحب قواتها وأن تمتنع علانية عن اعتزامها تصفية قادة ونشطاء الحركة الفلسطينية، وأن تلغي الأمر المتعلق بالضربات الوقائية ضد المسلحين الفلسطينيين، ذلك أن المسلح الفلسطيني قد يكون ممن يحاولون درء إعداد وتنفيذ الأعمال الإرهابية.

ويتابع السياسي قائلا إن "على الجانب الفلسطيني في مثل هذه الظروف وبصرف النظر عن الآراء المسيطرة أن ينفذ خطوات فعلية لدرء الأعمال الإرهابية.. وعلى حكومة إسرائيل التي وافقت على خطة ميتشل ألا تقتصر على التهرب من وقف النشاط الاستيطاني بل وأن تؤكد ذلك فورا بصورة رسمية. وبعد تبادل مثل هذه الإعلانات والأهم مثل هذه الخطوات ينبغي الجلوس فورا إلى طاولة المباحثات، ذلك أن اللغو القائل بوجوب النظر في البداية إلى ما سيفعله الطرف الآخر ومن ثم اتخاذ قرار ببدء المباحثات هو محض خداع".

وبعد التأكيد على ضرورة توسيع الوساطة الدولية في التسوية بحيث تشمل بالضرورة اشتراك مصر والأردن والتأكيد أيضا على ضرورة وجود مراقبين دوليين ميدانيا وتحت إشراف هيئة الأمم المتحدة "سواء أراد البعض ذلك أم لم يرد"، يرد بريماكوف على الطروحات المتعلقة بعقد مؤتمر دولي جديد بقوله "يقترح بعض السياسيين عقد مؤتمر دولي جديد، لكن يبدو لي أن هذه الفكرة هدامة ذلك أن خصوم القرارات التي اتخذها مؤتمر مدريد للسلام وخاصة منها صيغة الأرض مقابل السلام سيحاولون دون أدنى شك دفن القرارات الرئيسية لمؤتمر مدريد في حال عقد مؤتمر جديد".

نتائج صفرية

على مستوى لغة الخطاب والعلاقات الشخصية حدث نوع من تلطيف الأجواء في العلاقات الروسية الأميركية في الآونة الاخيرة. أما على مستوى الحوار فالنتيجة صفرية وخاصة في أهم المسائل كالعلاقات المرتبطة بالعوامل الإستراتيجية الشاملة والأسلحة الإستراتيجية الهجومية والحد من الدفاع المضاد للصواريخ

إرباتوف/ نيزافيسيمايا

حظيت زيارة وزير الدفاع الأميركي إلى روسيا بتغطية واسعة تميزت بتأكيد شبه إجماعي على أن الزيارة لم تحقق أي "اختراق" في العلاقات بين البلدين، ذلك أن الجانب الأميركي "آثر الاقتصار على المشاورات بدلا من المباحثات". فالمباحثات تعني الحوار الجدي والبحث عن توازن المصالح والأخذ والرد بين الدبلوماسيين بينما لا تفترض المشاورات أكثر من استماع الطرفين لآراء بعضهما البعض.

ومن بين التعليقات الكثيرة والمقابلات التي أجرتها الصحف مع الخبراء الروس بشأن تقويم نتائج الزيارة، تميزت المقابلة التي أجرتها صحيفة نيزافيسيمايا مع نائب رئيس لجنة مجلس نواب الدوما لشؤون الدفاع أليكسي إرباتوف. ونقرأ في تفاصيل هذه المقابلة "على مستوى لغة الخطاب والعلاقات الشخصية حدث نوع من تلطيف الأجواء في العلاقات الروسية الأميركية في الآونة الأخيرة. أما على مستوى الحوار فالنتيجة صفرية وخاصة في أهم المسائل كالعلاقات المرتبطة بالعوامل الإستراتيجية الشاملة والأسلحة الإستراتيجية الهجومية والحد من الدفاع المضاد للصواريخ".

وتابعت الصحيفة "فيما يخص معاهدة 1972 للحد من الدفاع المضاد للصواريخ والمواد التي ينتظر تعديلها فإن أميركا لا تريد كشف خرائطها". وتشير الصحيفة إلى أن النوايا الخفية لأميركا تختلف عن المعلن الرسمي "عندما يتحدث الأميركيون عن الدول المارقة فإنهم يقصدون الصين في المقام الأول وقد يقصدون روسيا في المستقبل".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة