كلود سيمون.. التجريبي العنيد   
الاثنين 1435/2/7 هـ - الموافق 9/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:16 (مكة المكرمة)، 10:16 (غرينتش)
كلود سيمون تميز بنصوصه الروائية التجريبية التي لازمته حتى آخر أعماله (الجزيرة)
بوعلام رمضاني-باريس
 
يكشف المعرض الذي يحتضنه المركز الثقافي جورج بومبيدو بباريس الكثير عن الروائي الفرنسي كلود سيمون (1913-2005)، ويعرض جانبا من حياة صاحب "درس الأشياء" الذي تميز بشهرته الكبيرة في أوساط النخبة الأدبية مقابل عدم رواج اسمه بالقدر الكافي في الأوساط الطلابية والشعبية، كما كان حال كتاب أقل قدرة إبداعية في مجال الرواية.

ويرجع بعض النقاد والمتابعين للشأن الأدبي ذلك لبنية نص سيمون التجريبي دائما، وأسلوبه المستفيض وشخصيته المتحفظة على الصعيد الاجتماعي، كما أكدت ذلك زوجته "ريا" التي كانت القارئة الأولى لكتبه والشاهدة على نوعية علاقاته مع رفقاء دربه من أمثال آلان روب غرييه وناتالي ساروت وصموئيل بيكيت وميشيل بيتور وكلود أولييه وغيرهم.

الأكاديمية السويدية التي منحت سيمون جائزة نوبل عام 1985 أشارت في بيانها آنذاك إلى أنها "كافأت كاتبا أبدع بأسلوب مزج فيه بين الشعر والرسم، وصاغ روايات كشفت عن وعي عميق بالأحداث والقضايا التي عرفتها المراحل المصيرية التي عاشها كإنسان وكمبدع".

كان سيمون شاهدا وصانعا لحداثة وطلائعية مكنتاه من إبداع كتابة خارقة أعطت لأسلوبه هوية أدبية وفكرية خاصة

الروائي الرسام
ويكرم المعرض صاحب نوبل سيمون الذي وصفه باتريك بازان مدير مكتبة مركب بومبيدو في حديث للجزيرة نت بأنه "شاهد على فوضى العالم التي عرفتها ولادته خلال الحرب العالمية الأولى ومعاصرته لحروب ضروس وانطلاقته الإبداعية في أوج الحرب العالمية الثانية ومعايشته لحرب الجزائر ولتحولات ثقافية وأيديولوجية مصيرية ما زالت ترمي بظلالها إلى اليوم ولإحداثه قطيعة روائية تاريخية".

وكتب الفيلسوف الشهير وأحد مستشاري المعرض ريجيس دوبريه في النشرة الشهرية التي يصدرها مركز بومبيدو متحدثا عن الروائي المكرّم "كان سيمون شاهدا وصانعا لحداثة وطلائعية مكنتاه من إبداع كتابة خارقة أعطت لأسلوبه هوية أدبية وفكرية خاصة".

المعرض كان نوعيا واستثنائيا أيضا لأنه يكشف عن الوجه الفني للروائي بوصفه رساما وموسيقيا يبني ويؤلف رواياته اعتمادا على مقاربات موسيقية وتشكيلية وحسابية في الوقت نفسه، على حد تعبير الباحث والناقد الأدبي والمدير العلمي للمعرض دومنيك فيار.

هذا ما أكده سيمون في إحدى محاضراته المصورة التي تعرض على الجمهور طيلة اليوم جنبا إلى جنب زوجته ريا التي خُصصت لها شاشة كبيرة بدورها باعتبارها المرأة التي كانت تشرف على نادي زوجها الأدبي.

وإذا كان الجانب السمعي البصري قد أخذ الأولوية في المعرض على حساب الوسائل الأخرى بشكل مدروس ومنهجي ووظيفي لشرح إبداع سيمون المعقد في نظر طلبة الأدب وضمان نوع من المتعة في الوقت نفسه، فإن الصور التقليدية بقيت حاضرة ولافتة وعكست بدورها مراحل الإبداع كافة التي عرفتها مسيرة سيمون في علاقتها بعناوين رواياته وحياته الشخصية والأدبية.

وكانت الصورة التي جمعته بجيروم ليندون مدير دار "مينوي" -التي نشرت معظم أعماله- وبالكتاب آلان روب غرييه وناتاليه ساروت وبيكيت وروبير بانجيه مجسدة لمجموعة أدبية صنعت الفرادة الإبداعية.

توفي سيمون عن عمر يناهز 91 عاما بعد عشرة أعوام بالضبط من تاريخ حصوله على جائزة نوبل تاركا إرثا روائيا ما زال يثير السجال والخلاف

النص الصعب
الشاشات الكبيرة المثبتة والفيديوهات التي عرضت شهادات الكتاب والنقاد بالمعرض لم تطمس أثر الوسائل التقليدية التي فضلها الكثير من الزوار باعتبارها بعثا جديدا لروح فقيدهم الأدبي. كما جلبت رسائل سيمون المكتوبة بخط يده الجميل وخاصة رسائله المتبادلة مع ناشره المفضل جيروم ليندون فضول الجمهور.

وكانت مسودات رواياته ورسومات "الكولاّج" ومقولاته المعروضة في لوحات ضخمة وكتبه المعروضة بأشكالها وأغلفتها الأصلية المحفوظة في صناديق زجاجية مغلقة، نقاط استقطاب جماهيري، ومكنت الفريق الذي نظم المعرض من تحقيق عرض متكامل سمح لكل الزوار بالاستفادة من سينوغرافيا غطت فضاءات المعرض بحزمة متنوعة من الوسائط القديمة والحديثة على السواء.

لقد أكد أسلوب سيمون تأثره ببروست وفولكنر، واتضح ذلك في رواياته التي استعمل فيها اسم الفاعل تكريسا لمفهوم الزمن كمرجعية فجة وثابتة، الأمر الذي يفسر أسلوبه القائم على عمل بنيوي يستند على تمدد الجملة والتكرار والاستطراد والخروج عن الموضوع وانعدام علامات الوقف، وهذا ما تركه يجدد ويختلف عن الروائيين الذين انتهجوا السرد الخطي والموجز في القرن التاسع عشر.

ودارت رواياته حول العشق والحرب والتاريخ باعتبارها الثلاثي الزمني المتجدد. وجسد سيمون نزعته الروائية تلك في روايات "الغشاش" (1938) و"الحبل الشاحب" (1947) و"غوليفير" (1952) و"صقر الربيع" (1954)، وعمق أكثر توجهه المذكور في الروايات التي نشرتها دار مينوي اعتبارا من عام 1957، تاريخ نشره رواية "الريح" التي اعتبرها النقاد عنوان انطلاقته الإبداعية الحقيقية.

وبقي سيمون وفيا لهذه الدار الشهيرة التي نشرت أشهر رواياته اللاحقة، ومنها "طريق الفلادر" (1960). كما بقي وفيا لهواجسه الطليعية والنص الروائي التجريبي الصعب، كاتبا عن الحروب والتاريخ والذاكرة وفوضى الواقع الذي كرسه أديبا كبيرا لدى النخبة وقليل الحظ لدى العامة.

توفي سيمون عن عمر يناهز 91 عاما بعد عشرة أعوام بالضبط من تاريخ حصوله على جائزة نوبل تاركا إرثا روائيا ما زال يثير السجال والخلاف، وبقيت شهرته قائمة أكثر من أي وقت مضى بعد نشر كل أعماله في سلسلة البليياد لكبار الكتاب الفرنسيين. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة