وكالة الأمن القومي الأميركي.. أسمعك أينما كنت   
السبت 6/1/1435 هـ - الموافق 9/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 22:26 (مكة المكرمة)، 19:26 (غرينتش)
وكالة الأمن القومي الأميركي تحظى بنصيب الأسد من ميزانية الأجهزة الاستخبارية (رويترز-أرشيف)
 

مجدي مصطفى

في السياسة الجميع يتجسس على الجميع في أوقات السلم كما في أوقات الحرب، والكل يعرف ذلك، وللعبة قواعد، والمخالفة هي أن يثبت الآخرون أن طرفا اكتشفها.. مهمة عرفتها قوى العالم القديم، وورثها من جاء بعدها، ليناسب حجمها حجم الاهتمامات والمصالح لأي منها.

باتت الولايات المتحدة القوة الكبرى المنفردة في العالم فأصبحت شرطي العالم الأكبر، وحرصت على أن يصبح كل ما يتعلق بها الأضخم والأكبر، بدءا من "الساندويتش" مرورا بالشركات ودوائر صنع القرار، وصناعة السيارات وغيرها من الصناعات وصولا إلى أدوات الحرب والدمار ودوائر التجسس.

لا تشذ أجهزة استخباراتها عن ذلك، ففي الولايات المتحدة ثلاثة أجهزة رئيسية للمخابرات و27 جهازا فرعيا لمهمات التجسس، وهي وكالة الأمن القومي "إن إس إيه" ومكتب التحقيقات الفدرالية "إف بي آى" والمخابرات المركزية "سي آى إيه".

وكالة الأمن القومي أخطر وأكبر جهاز للتجسس وجمع المعلومات المرسلة عن طريق أنظمة الاتصالات المختلفة وتحليلها بواسطة تقنية متقدمة، فأصبحت "أذنا أخطبوطية" للتنصت على العالم أجمع.

أنشئت الوكالة في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1952، واتخذت من فورت ميد بولاية مريلاند مقرا رئيسيا لها، للاضطلاع بمهمة التنصت على جميع المحادثات والمخابرات والاتصالات بين جميع الدول والمؤسسات، وتحليلها.

وفي البداية قامت الوكالة بالتنصت على المخابرات المشفرة بين الدبلوماسيين والقيادات العسكرية بجميع أنحاء العالم، واتسع الدور بعد ذلك ليشمل التنصت جميع المخابرات والاتصالات بالعالم لا سيما رؤساء الدول والحكومات.

وفي سبعينيات القرن الماضي وفي أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (سابقا) بلغ عدد العاملين بالوكالة 120 ألفاً ثم زاد بشكل كبير، وزادت معه ميزانية الوكالة حيث تخصص الإدارة الأميركية لها 80% من ميزانية أنشطتها الاستخبارية والتي تقدر بـ27 مليارا.

وكالة الأمن القومي الأميركي أخطر وأكبر جهاز للتجسس وجمع المعلومات المرسلة عن طريق أنظمة الاتصالات المختلفة وتحليلها بواسطة تقنية متقدمة، فأصبحت أذنا أخطبوطية للتنصت على العالم أجمع

أخطبوط
برا بحرا جوا.. تستطيع الوكالة بمساعدة التقنيات الحديثة التقاط مليار رسالة واتصال هاتفي خلال نصف ساعة، وترسل رسالة بالفاكس أو عبر الإنترنت، أو عبر أجهزة على بُعد آلاف الكيلومترات تلتقطها، وتسجل تلك المكالمات أو المراسلات وتصنفها وتبوبها وترفع المعلومات المهمة فيها إلى الإدارات التنفيذية العليا.

وتستفيد أجهزة الاستخبارات الأميركية من ميزة أساسية لا تتوفر إلا للولايات المتحدة وهي أن معظم الاتصالات الدولية يجب أن تمر عبرها، ويعود ذلك إلى سيطرة واشنطن على نسبة كبيرة جدا من أشكال الإعلام والاقتصاد العالميين، كما أن أرخص طريق لإجراء الاتصالات الدولية والحصول على المعلومات عادة ما يمر عبر واشنطن. وتتمكن أجهزتها من الاستقبال المباشر لكافة البيانات المنسابة بالكابلات الضوئية حتى الموجودة بأعالي البحار.

القفزة التكنولوجية جعلت عمليات تجسس الوكالة تتنوع في مختلف المجالات ولا تقتصر على المجالات العسكرية أو حتى الاقتصادية بل شملت الإنترنت وشبكات الاتصالات والبريد، واستغلت شركات التكنولوجيا الحديثة والتي تعمل بالمجال الإلكتروني في التجسس.

سنوات من العمل المتواصل وظفت مؤسسات التجسس الأميركي خلاله الشركات المتخصصة بالصناعات التكنولوجية الدقيقة لتطوير العشرات من أجهزة التنصت لمتابعة الثورة التكنولوجية على أجهزة الحاسب الآلي.

وكذلك استحداث أجهزة متناهية الصغر لتسهيل عملها منها "ميكروفون الليزر" الذي يستعمل حتى الآن في التنصت، كما طورت جهاز "تي إكس" ومعه لم تعد هناك ضرورة لزرع جهاز إرسال صغير داخل الهاتف المراد التنصت عليه، فبواسطته يمكن الدخول إلى خط ذلك الهاتف من بعيد دون أن يشعر أحد، كما يمكنه نقل الأحاديث التي تجرى بغرفة الهاتف حتى لو كان مغلقا. كما استحدثت رقائق صغيرة داخل الهواتف التي تعمل بنظام "جى إس إم" لكى تتيسر لها مراقبة المحادثات الجارية من خلالها.

 الحقائق التي سربها سنودن تفوق الخيال  (رويترز-أرشيف)

من أهلها
حقائق أغرب من الخيال كشفت عنها وثائق سربها المستشار السابق بوكالة الأمن إدوارد سنودن، في يونيو/ حزيران الماضي، فالوكالة تدير سلسلة من البرامج تسمح بالتجسس على اتصالات الأميركيين وغيرهم، أعداء كانوا أو أصدقاء، داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

وثائق سنودن كشفت أن للوكالة ثمانين موقعا حول العالم لملاحقة كل صغيرة وكبيرة من الجو والأرض والبحر عبر الأقمار الاصطناعية، والسفن والغواصات الحربية والنووية، والسفارات والقنصليات المختلفة، وكشفت أيضا عن تجسس واشنطن على زعماء 35 دولة، منهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيسة البرازيلية ديلما روسيف، مما دفع برلين وبرازيليا لتقديم مشروع قانون لدى الأمم المتحدة لوضع حد لانتهاك الحق في الحياة الخاصة.

ويركز التجسس الاقتصادي للدول على معرفة ما يدور خلف كواليس العمل الاقتصادي، خاصة فيما بين الشركات العملاقة، ويشمل الحصول على معلومات حول الصناعات والطاقة والعلاقات التجارية، وحتى البحوث الأكاديمية، والوثائق والأوراق الخاصة بالتنمية، واتجاهات الأسواق المالية، فضلاً عن الاستثمارات الخاصة المتعلقة بالحكومات والأفراد.

وجمع تلك المعلومات يساعد على التحكم في أسعار السوق الصناعية، وتحديد الكميات المعروضة والمطلوبة ومعرفة اتجاهاتها، فضلاً عن الحصول على معلومات تكنولوجية وتقنيات جديدة بالمجالات الصناعية والعلمية المختلفة، خاصة تلك التي تمتلكها الدول الصناعية المتقدمة.

 هناك بروتوكول بين وكالة الأمن القومي الأميركية ونظيرتها الإسرائيلية، حصلت عليه من سنودن، يتضمن نقل الأولى مباشرة إلى الأخيرة قسما من البريد الإلكتروني وملايين الاتصالات الهاتفية التي تراقبها

تقاسم الأسرار
يستبعد المتابعون حدوث تصعيد أو حتى خصومة بين أميركا وحلفائها الأوروبيين، أو حتى توتر بين منافسيها التقليديين بشأن ما كشف عنه، فغاية ما تقدمه هو الاعتذار، والمضي قدما في السياسة البراغماتية التي لا تتوقف كثيرا عند مهمة التجسس التي يمارسها الجميع، ومن هنا يفهم موقف المشرعين الأميركيين الذين رفض عدد منهم علناً التخلّي عن التجسس أو الاعتذار عن ممارساته.

والتائه في هذا الزحام هو قضايا العالم العربي والإسلامي الذي لم يسلم من أذن أميركا، التي تشارك إسرائيل ما تسمعه من أسرار، فقد كشفت صحيفة "غارديان" البريطانية عن بروتوكول اتفاق بين وكالة الأمن القومي الأميركية ونظيرتها الإسرائيلية حصلت عليه من سنودن، يتضمن نقل الوكالة الأميركية مباشرة إلى الإسرائيلية قسما من البريد الإلكتروني وملايين الاتصالات الهاتفية التي تراقبها.

هذه الحقيقة تؤكد ما سبق ذكره كتاب "عين واشنطن" الذي صدر بالفرنسية قبل سنوات ويكشف تفاصيل توظيف أميركا للمعونة التي تقدمها للشعب الفلسطيني استخباراتيا، حيث اشترطت أن يتم تقديم هذه المعونة في شكل حواسيب، وطلبت أن توضع بهيئات الكهرباء والمياه، لمعرفة استهلاك البيوت، وقد تعاونت معها المخابرات الألمانية ثم قامت بمد إسرائيل بالمعلومات عن رجال المقاومة الذين يترددون علي البيوت في غزة ورفح.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة