تخوف روسي من الوجود الأميركي بآسيا الوسطى   
السبت 1422/11/5 هـ - الموافق 19/1/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


موسكو - علي الصالح
ركزت الصحف الروسية الصادرة اليوم على إبراز تداعيات العملية الاستشهادية الأخيرة في الخضيرة, ومصير الوجود العسكري الأميركي وقوات الناتو في آسيا الوسطى وردود الأفعال الروسية عليه, إلى جانب تقويم عملية الانتقام الأميركية في إطار حرب الإرهاب من وجهة نظر تداعياتها القانونية.

الاحتفال تحول إلى مأتم
تحت هذا العنوان تحدثت أزفيستيا عن العملية الاستشهادية التي أدت إلى مقتل ستة وجرح أكثر من ثلاثين يهوديا في الخضيرة معظمهم من يهود الشتات ـ سكان مناطق القوقاز الجبلية وخاصة منها الداغستانية. وسردت الصحيفة قصة تحول الاحتفال اليهودي إلى مأتم مبرزة تفاصيل متعلقة بقتل أطفال أسر المهاجرين من روسيا "مما اضطر إسرائيل إلى الانتقام مرة أخرى وقصف مواقع الشرطة الفلسطينية بطائرات "اف16" وتحويل بعضها إلى انقاض في حين حاصرت الدبابات الإسرائيلية قصر عرفات الرئاسي وتوقفت على بعد ثلاثين مترا منه.

وتفننت كومرسنت أيضا بعرض التفاصيل التي تؤجج مشاعر العداء للفلسطينيين والعرب. وتحت عنوان "مواطنون من أصل روسي يقتلون بأيدي إرهابي" تفننت كزميلتها بسرد التفاصيل التي تدعم إدانة العرب وتبرر "انتقام" إسرائيل لسكان القوقاز السابقين فقالت: دخل "الإرهابي" الفلسطيني قاعة الاحتفال في عيد ميلاد الفتاة نينا كورداشيفا في غمرة الفرح التي سادت المدعوين وأخذ يطلق الرصاص كيفما حصل".

التدخل الدولي

تدخل البشرية العام الجديد حاملة أزمات عويصة لا تنغص حياة البشرية فحسب وإنما يمكن أن تهدد السلام في كوكب الأرض برمته

روسيسكايا غازيتا

بالمقابل شهدت الصحف الروسية الأسبوعية معالجات متروية وموضوعية لقضية الشرق الأوسط واحتمالات التسوية كان أهمها مقال تحليلي للباحث والمحلل السياسي سيرغي روغوف نشر في صحيفة روسيسكايا غازيتا بعنوان "المطلوب تدخل دولي في النزاع الشرق أوسطي". وينطلق المحلل في معالجاته من "دخول البشرية للعام الجديد حاملة أزمات عويصة لا تنغص حياة البشرية فحسب بل ويمكن أن تهدد السلام في كوكب الأرض برمته. وتتبوأ مكان الصدارة بين هذه الأزمات أزمة الشرق الأوسط".

ويعتقد المحلل أن السبب الداعي لتدخل المجتمع الدولي في أزمة الشرق الأوسط هو سقوط مقولة التوصل إلى حل من خلال التباحث المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين وخاصة بعد أن ترأس الحكومة الإسرائيلية شخص معروف بمشاعره العدائية تجاه مسيرة السلام منذ بداتها".

والشكل الأمثل للتدخل الدولي حسب رأي المحلل هو عقد مؤتمر دولي جديد على غرار مؤتمر مدريد تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة واشتراك أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والدول العربية "المعتدلة"، إذ سبق أن فشلت الوساطة الأميركية المنفردة في تحقيق أي نجاح بل على العكس أوصلت عملية السلام إلى وضع الطريق المسدود.

ويرى المحلل أن الخطة التي ينبغي أن يقرها المؤتمر للحل النهائي يجب أن تنص على ضمانات دولية لتنفيذ الاتفاقيات بما في ذلك نشر قوات دولية أو مراقبين دوليين تنتدبهم هيئة الأمم". كما ينبغي أن تركز هذه الخطة على بعض مبادئ خطة كلينتون المستندة إلى مبدأ "الأرض مقابل السلام" أي أن يحصل الفلسطينيون على قطاع غزة و97 أو98% من أراضى الضفة. وبحيث تكون القدس عاصمة للدولتين بينما توضع خطة عملية لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بحيث يعود بعضهم ويحصل البعض الآخر على تعويضات مناسبة".

القواعد الأميركية
شغل هذا الموضوع حيزا واسعا في معالجات الصحف الروسية التي أخذت تدق طبول النفير محذرة من إطالة أمد الوجود العسكري الأميركي والناتو في أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان وكزاخستان. وقد جاءت تغطية هذا الموضوع على شكل ملسلسل يومي في صحيفة نيزافيسيمايا التي اختتمته بتصريح لقائد قوات حرس الحدود الروسية الجنرال توتسكي يستنكر فيه استغلال عملية مكافحة الإرهاب لتثبيت التواجد العسكري في أفغانستان وآسيا الوسطى.

ولجأت صحيفة أزفيستيا إلى عرض تفاصيل عن القواعد العسكرية التي تزمع أميركا استئجارها لآماد طويلة في آسيا الوسطى مشيرة إلى أن البنتاغون يزمع استئجار القاعدة العسكرية السوفياتية السابقة في خان آباد الأوزبكية لمدة 25 عاما.


النضال ضد الإرهاب على المستوى الدولي ينبغي أن يخلو من المعايير المزدوجة والنزعات المتحيزة لأن أطر عمليات مكافحة الإرهاب لا يجوز أن تتوسع بصورة حرة طليقة كما لا ينبغي أن تترافق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة

موسكوفسكي نوفوستي

وأضافت أن البنتاغون ينوي ضخ مبلغ خمسمائة مليون دولار لتثبيت أقدامه في قاعدة خان آباد الأوزبكية ومطار ميناس القرغيزي إضافة إلى مدرج في منطقة غلاب الجبلية الطاجيكية بتكلفة سنوية تتراوح بين مائتين وسبعين إلى ثلاثمائة مليون دولار. وتوقعت أن يصل عدد الجنود الأميركيين والناتو في المنطقة إلى ثلاثة آلاف جندي مع حلول شهر فبراير العام الجاري إضافة إلى خمسين أو ستين طائرة مقاتلة من طراز "إف 15" الأميركية و"ميراج" الفرنسية يطال مدى تحليقها مناطق الصين الغربية والحدود الهندية الباكستانية والمدن الكبرى في أوزبكستان وطاجيكستان وكزاخستان".

وانصرفت صحيفة موسكوفسكي نوفوستي الأسبوعية إلى مناقشة ردود الأفعال الرسمية على الوجود العسكري الأميركي والناتو في أفغانستان وآسيا الوسطى فارتأت أن أول رد فعل رسمي تمثل بالاجتماع الطارئ لوزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون مطلع العام الجاري مفيدة أن الدول المنضمة إلى المنظمة أعربت في بيان مشترك عن عدم موافقتها على الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة وذلك بفقرة من البيان تقول إن "أي محاولات لفرض أشكال أخرى من الإدارة على الحكومة الأفغانية وجر أفغانستان إلى مجال نفوذ أي كان يمكن أن تفضي إلى أزمة جديدة".

ويقول البيان في فقرة أخرى إن "النضال ضد الإرهاب على المستوى الدولي ينبغي أن يخلو من المعايير المزدوجة والنزعات المتحيزة لأن أطر عمليات مكافحة الإرهاب لا يجوز أن تتوسع بصورة حرة طليقة كما لا ينبغي أن تترافق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة".

وحسب صحيفة نيزافيسيمايا يتمثل رد الفعل الثاني بإعلان غينادي سيليزنيوف رئيس البرلمان الروسي أثناء زيارته لطاجيكستان الأسبوع الماضي بأن "روسيا قد تستخدم حق الفيتو للحيلولة دون وجود قواعد أميركية وناتوية في دول آسيا الوسطى".

الانتقام والقانون

مفهوم الانتقام كذريعة لخوض الحرب أو التصفيات العسكرية يعود إلى مفاهيم النظم العسكرية القانونية لفترة مضى عليها أكثر من قرنين من الزمن حيث كانت تسود أخلاقيات العبث الهمجي والتصفيات وطغيان الإرهاب والقتل لمجرد الشك

أوبشايا غازيتا

وتلفت الانتباه صحيفة أوبشايا غازيتا الأسبوعية لما يسمى بعملية "الانتقام" الأميركية. ونقرأ في تفاصيل مقال منشور بالصحيفة تحت عنوان "هل ينقذنا الانتقام؟" حيث قالت إن مفهوم الانتقام كذريعة لخوض الحرب أو التصفيات العسكرية يعود إلى مفاهيم النظم العسكرية القانونية لفترة مضى عليها أكثر من قرنين من الزمن حيث كانت تسود أخلاقيات العبث الهمجي والتصفيات وطغيان الإرهاب والقتل لمجرد الشك".

وأضافت يسخر العالم من التبريرات القانونية التي استخدمت لتدمير يوغسلافيا وأفغانستان حاليا بذريعة وجود قرار ما في هيئة الأمم المتحدة يدعى أنه يسمح بخوض الحرب دون العودة إلى الإجراءات المعقدة. ويستنكر العالم بسخط تصرفات مسؤول عسكري أميركي مع كومة من جثث القتلى الأفغانيين حيث اختار من بينها جثة مواطن أميركي لدفنها وترك الكومة لعبث المصير ثم يقول "لا أدري كم اقتربنا هنا من الأسس العميقة للوجود الإنساني. فلهذا الموضوع حكاية أخرى. لكن المكان بات يغص برائحة الأعراف والنظم الاستعمارية, حيث أن مجرد اتهام هذا الشخص أو ذاك بالإرهاب بات كافيا لقتله دون الخوف من حساب أو عقاب".

وانتهت إلى القول إن "ما حدث في عالم الروح الأخلاقي والعسكري واعتماد نهج "الانتقام" بعد الحادي عشر من سبتمبر أعاد الدول الطامحة إلى تكوين صورة المثال في بناء المجتمع المدني وسيادة القانون إلى عهود البربرية في القرون الوسيطة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة