"ليال بلا جدران".. عالم موبوء وشخصيات مهزومة   
الخميس 1435/9/6 هـ - الموافق 3/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تنتمي الرواية الأولى للشاعر حسن المددي الموسومة بـ"ليال بلا جدران"، إلى نوع الرواية الذي ينحاز إلى متخيل البادية والهجرة، وما يتعلق بهما من إشكالات اجتماعية ونفسية.

ومع أن هذه الرواية ليست الأولى التي تعالج هذه الثيمة مغربيا، فإن الأسلوب الذي صيغت به حبكات النص، وطبيعة الشخصيات التي أثثت المتن، وطريقة توصيف العوالم والعلاقات، وما التبس بهما من وقائع وأحداث، فضلا عن الرؤية المستحكمة في علاقة السارد بالعالم الروائي، والمسافة الفاصلة بينه وبين الشخوص، جعلت "ليال بلا جدران" تتسم بخصوصيات متفردة تنزاح بها عما سبقها، وتشرعن قيمة تناول الموضوع من زوايا مختلفة، وبأساليب جديدة.

تنبثق العوالم الروائية في هذا النص من قرية بئيسة في الجنوب المغربي، تعاني من التهميش والهشاشة، وتعيش على الترقب والانتظار لصيف قد لا يكون دوما كريما، لتتوسع من خلال أفق يفتحه قدوم أحد المعمرين إلى القرية بغرض تهجير عمال من المنطقة إلى فرنسا لتشغيلهم في مناجم الفحم ومصانع السيارات.

ومع تناسل الأحلام، وكبر المطامح، وتنامي الإحساس بالغربة والفراغ، تتفرع الأحداث وتتخذ مسارات مفاجئة ودرامية، متصلة ومنفصلة، لكن مثيرة وآسرة.

حياة قاسية
تُغرق الرواية في توصيف واقع القرية المحبط، وتشخص نفسيات الشخصيات التي تعيش على مضض في فضاء معزول عن كل أشكال التمدن، بعيدا عن كل مسوغات الحياة، خاصة مع تتالي سنوات عجاف، وتراجع المحاصيل الزراعية التي تعيش عليها الساكنة، وغضب الوادي المخترق لها، الذي يأتي على البلاد والعباد، مخلفا مأساة اجتماعية يستحيل وصف بشاعتها.

وتزداد مأساة السكان مع هيمنة أعوان السلطة وذوي النفوذ الذين لا تعلو يد على أيديهم، حيث يتهيأ لهم بفعل دعم السلطة استغلال الناس وتسخيرهم مثل العبيد في أملاكهم التي تتضخم يوما بعد يوم، وبسط عنجهيتهم وظلمهم عليهم.

لقد تحالفت الظروف الطبيعية القاسية، وتجبّر ممثلو السلطة ضد كرامة الإنسان، وضاق أفق الاختيارات، فلم يتبق سوى أمرين: انتظار مطر إما يأتي شحيحا أو كارثيا، أو الهجرة إلى ما وراء البحر بحثا عن حياة أفضل.

لكن هاته الحياة لم تكن أحسن كما تخيّل أهل القرية الذين لم يكونوا يرون في المهاجرين إلا الصورة التي يظهرون فيها بالقرية صيفاً، مزدهين بسياراتهم الفارهة، والعملة الصعبة التي راكموها من وراء عملهم الشاق في مناجم الفحم، في مغامرة حافلة بالمخاطر، وأحاسيس الغربة، والعذاب والمذلة، والاستلاب والضياع.. في أرض تخيّم عليها عواصفُ البرد، ونزعات العنصرية، وروائح الموت.

الرواية انتصرت لقيم الهوية حينما أنهت دراما الصراع بحفل جمع الشمل في القرية، وعودة المهاجرين إلى أسرهم وذويهم، مفضلة بذلك، الصمود في الوطن على الهجرة

نجد استنادا إلى الفواعل الموظفة في هذا النص الروائي، تعارضا بين جبهتين من الشخصيات: جبهة تدافع عن قيم الخير، وتتمثل في أم العيد، وإبراهيم الخضار، والحاج الطيب، وأحمد الإدريسي، والروداني، والحاج إيدر، وعمر.. وجبهة تتأبط الشر وتدافع عن القيم المضادة للإنسان، ومنها: مبارك البياض، وشيخ القرية الحاج العربي، والحاج المختار، ومسيو موغا.. وظل الصراع بين هاتين الجبهتين قويا طيلة تفاصيل النص ومساراته السردية، لكن في النهاية كان النصر لجبهة قيم الخير، واندحار مأساوي لقيم الشرّ في شخص البيّاض ومن يحذو حذوه.

كما أن الرواية انتصرت لقيم الهوية، حينما أنهت دراما الصراع بحفل جمع الشمل في القرية، وعودة المهاجرين إلى أسرهم وذويهم، مفضلة بذلك، الصمود في الوطن، والعيش في البساطة، والنضال من أجل تحسين الدخل، على هجرة الأوطان وجمع الأموال على حساب الشرف والعزة ودفء الأسرة، وكأنها تلهج ضمنيا بفكرة "قطران بلادي أفضل من عسل البلدان".

سردٌ متنامٍ
اعتمد الروائي في تقديم عالمه على أسلوب السرد "الكرونولوجي" منطلقا من حدث/حافز ليختلق فيما بعد بؤرة تصدّع تغيّر مجرى الأحداث، فنهاية تعيد التوازن إلى المحكي.

وهو في كل ذلك يتنصل من همّ الاجتهاد في ابتكار وضعيات تجريبية يصب فيها سيولته السردية، بل ترك الأحداث تتنامى رويدا رويدا وكأنه لا يتدخل في صنعتها، معتمدا على "التبئير" الداخلي الذي يتيح للرواة الاطلاع على دواخلهم ونواياهم، وتقديم حالاتهم للقارئ بالتفصيل.

هذا العمل رسالة إلى العالم ومن يهمهم الأمر فيه، لأن يتحركوا من أجل إنقاذ البشر، وما ارتبط بهم من قيم في هذه النواحي المجهولة من الكون

وهذا ينسجم مع الغاية من الكتابة، والمتجسد في تعرية واقع هش للقرى المغربية المهمشة البعيدة عن المرافق الملائمة للحياة الكريمة، فحجم الرسالة وثقلها الضاغط على الباثّ يفوق الرغبة في التفكير الخطابي، فقد كان يكتب وهو في غاية الانفعال مع القضية التي حفزته على الكتابة، إلى درجة أنه يكتب بها وعنها في آن، تاركا المجال لمشاعره وأحاسيسه وانفعالاته للتدفق دون هوادة، طليقة في تحلل تام من الوعي التجريبي، ذلك أن الوعي الفكري للباث يتغلب في النص على الوعي الفني، مما جعل النص الروائي ينصرف إلى تشخيص الوضع النفسي والاجتماعي للشخصيات في انفعالها وتفاعلها مع التحولات التي عصفت بحياتها، متخفّفا من كل تطريزات وتحْليات البلاغة الروائية المفرطة.

وتعتبر الرواية بمثابة رسالة إلى العالم ومن يهمهم الأمر فيه، لأن يتحركوا من أجل إنقاذ البشر، وما ارتبط بهم من قيم في هذه النواحي المجهولة من الكون، مثلما تعتبر صرخة في وجه المسؤولين عن الشأن العام بضرورة الانتباه إلى الأسلوب الإقصائي الذي تدبر به التنمية البشرية والاقتصادية، حيثُ تعطى الأهمية لمناطق على حساب مناطق، ليستمر التركيز الذي كرسه المعمّر منذ ما يزيد عن قرن من الزمن.

لقد ضغطت هاته الرسالة على النص لتعاضد كل الأساليب الفنية من أجل خدمة هذه الدلالة، كما أن الأحداث كانت تتوالد نصيا باعتبارها محفزات ومولدات تُصْهرُ الحكاية الأساسية، وتزند نارها كي تتقدم وتتوسع دون أن تعطي أهمية للطرق التي تجتاح بها البياض، فتتنامى عفويا، وتسيل القصة مثل نهر جامح وهادر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة