متاهات الهزيمة برواية "في انتظار السلحفاة"   
الجمعة 28/4/1435 هـ - الموافق 28/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:31 (مكة المكرمة)، 12:31 (غرينتش)
غلاف رواية "في انتظار السلحفاة" للسوداني معتصم الشاعر (الجزيرة)
هيثم حسين
 
في روايته "في انتظار السلحفاة" يحاول السوداني معتصم الشاعر استنهاض الهمم للبحث عن حلول للإشكاليات المستعصية التي يعيشها الشرق عموما ومنطقته تحديدا، حيث يدرج أكثر من حكاية وواقعة في سياق عمله السردي، مفترضا إيجاد بوادر للانطلاق نحو تحقيق الأهداف والمسارعة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يحيل الشاعر في روايته -التي أصدرتها مؤخرا الدار العربية للعلوم ناشرون- إلى عبثية انتظار المبادرة العربية لإنقاذ فلسطين والشعوب العربية التي تعاني في بلدانها. وفي المقابل، يتغنى بأدوار أخرى في المرحلة مأخوذا بالتضخيم الإعلامي، بعيدا عن فحوى القضية وملابساتها ومراميها.

بطل الرواية (المخرج السينمائي الشاب غير المسمى) حائر ومهزوم، يحمل هزيمته معه ويمضي بها، لا يدري أي جهة يناصر، فتراه تارة يناصر اليمين وتارة يناصر اليسار، ويتوهم استعادة أمجاد غابرة، ويعيش غربة مركبة، إذ إنه أضاع هويته ولم يفلح في مصادفة تلك التي يجدّ بالبحث عنها.

هزيمة الراوي الكبرى تتجلى في تغنّيه بشخصيات الطغاة وكلماتهم، ويتعاظم قلقه وتورطه بتمجيد عدد من أولئك الذين يجد فيهم مخلصين مؤقتين أو مستقبليّين

روح الهزيمة
يكثر صاحب "أهزوجة الرحيل" من الاستهلالات والتمهيد، يبالغ في التوصية ثم التنويه، يكتب مقدّمة ثم ما يشبه المقدّمة، ثم مقدّمة ثالثة بعنوان "في انتظار السلحفاة"، ويقسّم المتن إلى 12 فصلا، يطلق على كل فصل قصيدة، يمهد لكل فصل بمقطع من قصائد الهايكو الياباني، ثم يكتب بعد ذلك ما يسمّيه "توصيات بطل الرواية".

ويثبّت في النهاية المراجع التي يقول إنه استعان بها في كتابة روايته، ومن ضمنها إحالته إلى ذاته كمرجعيّة ومزاعم بالريادة والتجديد، ما يخلق شعورا من قبل القارئ بالوصاية عليه، وكأنه يحتاج لمن يأخذ بيده في رحلته مع الرواية.

تتجلى هزيمة الراوي الكبرى في تغنيه بشخصيات الطغاة وكلماتهم، ويتعاظم قلقه وتورطه بتمجيد عدد من أولئك الذين يجد فيهم مخلصين مؤقتين أو مستقبليّين، في حين أنه يعود ليتعاطف مع فريق آخر على عداء مع من يضعهم قدوة له في مراحل أو فصول سابقة.

يهرب الفتى الحالم الواهم بصندوق مفترض، يحمله معه كذنبه، ويتكتم على محتوياته، يرجو أن ينقذه من الضياع، يظن أنه موكول بمهمة جسيمة خطيرة، ويبحث عن منقذين مفترضين بدوره، يلوذ بهذا الوهم أو ذاك، وينبش مراحل تاريخية عساه يستنهض أبطالها، كالعودة إلى السلاطين العثمانيين ورؤيته في بعضهم مخلصين أو فاتحين مما يجد نفسه فيه في ظل واقع مهزوم مثله.

يقوم الروائي بإجراء مسح جغرافي تاريخي لبعض المدن، يخص بالذكر مدينة إسطنبول لما لها من ثقل وتأثير واقعيين وتاريخيين ونتيجة لموقعها المميز، تراه ينتقل بين جنباتها ومعالمها، يستعين بالتصورات والأفكار الدارجة عنها والمتوفرة في المواقع الإلكترونية، أي تكون سياحته فيها مبنية على القراءة والتخيل، وبعيدة عن واقع الحال، وهنا يحيل إلى دور التخيل في بناء الرواية أو تفككها.

تحضر في الرواية كذلك قضايا داخلية ومعاناة الشخصيات جراء عسف الأجهزة الأمنية بها، بحيث تتم محاسبتهم على أحلامهم ونياتهم، تجرّم بناء على تلك الأحلام وانطلاقا من تلك النيات، وهناك جانب من التقريع وجلد الذات، بالتوازي مع استنهاض الهمم للمباشرة بـ"ربيع" مفترض، في الوقت الذي يتحول الربيع المظنون إلى برك من الدماء ومسارح لحروب أهلية، ومنطلق للتطرف والإرهاب والتفتيت والتشريد.

يحضر التركيز على فكرة البطء في التلبية والإغاثة، وهي فكرة اشتغل عليها الروائي التشيكي ميلان كونديرا وخصّص لها عمله "البطء" حيث الإيقاع الذي يعكس نوعا من الدوران والمراوحة في المكان

البطء وإيقاعه المؤثر
يسعى الكاتب إلى تضمين روايته بعض الأحداث المعاصرة في مسعى منه لإضفاء أبعاد سياسية عليها، كالاحتلال الأميركي للعراق، وتعامل الجنود الأميركيين مع السجناء في "سجن أبو غريب"، ومحاولة سرد الصور التي سربت آنذاك، والتي عكست الاستهتار بالسجناء والتلاعب بهم وجعلهم مثار سخرية وهزء وتعذيبهم أشدّ التعذيب.

يستحضر -كذلك- حوادث أخرى كالحرب على غزة وحصارها وحرب تموز في لبنان، وحادثة أسطول الحرية التركي، وتعامل إسرائيل مع المستجدات وفرضها سياسات بعينها ومضاعفة التقييد، ثم اتهام الجميع بالتقاعس عن نصرة بعضهم بعضا.

ويضع تلك الحوادث في مواجهة الوقائع والمتغيرات والافتراضات، متعللا بالنظرية التي ينوي إثباتها، ومعتمدا التداعي الحر الذي يبدي نسيج الرواية مفككا ومتحررا من حبكة متينة، متفرعا في اتجاهات وتشعبات تبقيه في حيرة مضاعفة ومتاهة تدور على نفسها.

يحضر التركيز على فكرة البطء في التلبية والإغاثة، وهي فكرة اشتغل عليها الروائي التشيكي ميلان كونديرا وخصّص لها عمله "البطء" حيث الإيقاع البطيء الذي يعكس نوعا من الدوران والمراوحة في المكان.

ربما تعكس القصيدة الأخيرة مرام الكاتب في روايته التجريبية "القصيدة الومضة" التي تقول: "ثمّة الملايين تحت الركام ليس في انتظار السلاحف بل في انتظار ميلادها". في إشارة إلى مشقّة التغيير وكلفته الباهظة، بعيدا عن يأس المهزوم وقلق الحائر وتخبّطه.

يستلف الروائي آراء الكتّاب والمفكرين ويضمنها في نصه، وكأنه بصدد تقديم بحث عن مواضيع بعينها، كحديثه عن القراءة والكتابة، ومحاولته بلورة نظرية لهما سماها "المتوالية الإبداعية"، فتراه يحاجج ويساجل معتمدا على آراء الآخرين، ومفترضا أنه يمهد الأرضية نحو نظرية في القراءة والتلقي، ويكلف بطل روايته بتحميله مهمة صياغة النظرية المنشودة لتكون بداية مرحلة جديدة.

يتسم النص بالارتباك، سواء في الجانب الفني أو الفكري، فخطاب الكاتب الفكري يتقدم في متاهة من الاتجاهات والتوجهات، يبدو متعدد البوصلات غير مستقر على قرار أو بوصلة بعينها، يتغنى بالجانب القومي وزعمائه، وينادي بنهضة قومية واجبة تعيد للأمة كرامتها المهدورة وحقوقها المسلوبة.

يهتف أحيانا بجوانب مذهبية ودينية ويمجد رموزها، ثم في بعض الفصول يناصر زعماء آخرين يظن بهم الخلاص، أي أن بطله أسير توهمات لا تنتهي، ربما هي خلاصة أوهام بعض الشباب الباحث عن ثورة في غير أرضها وزمنها. ويأتي تضمينه أكثر من رواية ومخطوطة ضمن الرواية تبديدا للسياقات والأنساق التي يقاربها ويعالجها ويخوض فيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة