فوضى بإدارة الأزمات في الأردن   
الأحد 1431/12/15 هـ - الموافق 21/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:01 (مكة المكرمة)، 19:01 (غرينتش)
قوات الأمن أقرت بمسؤوليتها عن حادث إطلاق نار (الجزيرة نت-أرشيف)

محمد النجار-عمان
 
أعادت الأحداث التي شهدتها مدينة السلط الأردنية خلال الأيام الثلاثة الماضية تسليط الأضواء على العنف الاجتماعي المتفاقم في البلاد.
 
لكن الجديد الذي يرصده مراقبون هو الأزمة التي تعانيها الإدارة الأردنية في التعامل مع هذه الأحداث التي باتت مقلقة للشارع والحكم.
 
وأحرق متظاهرون محطات أمنية كما اعتدوا على مقرات حكومية وأخرى خاصة وأغلقوا الشوارع بالإطارات المشتعلة، وردت قوات الدرك بإطلاق الغاز المسيل للدموع مما أدى إلى ارتفاع عدد الغاضبين حسب مواطنين في السلط.
 
وجاءت هذه الأحداث عقب إصابة شاب من إحدى عشائر المدينة بجروح خطيرة بعد إطلاق النار عليه أثناء مطاردة أمنية جراء رفض سيارة كان الشاب يستقلها التوقف حسب الرواية الحكومية للحادث.
 
وبعد يومين من الشغب أقرت قوات الأمن العام بمسؤوليتها عن الحادث، حيث ظلت تقول إنها تحقق في حادث إطلاق النار، وكان لافتا أن جهاز الأمن أخذ "عطوة" (ضمانة) من عشيرة الشاب لمدة ثلاثة أيام، على أن تقوم عشيرة رجل الأمن الذي أطلق النار بأخذ "عطوة" جديدة بعد انتهاء المدة.
 
ومفهوم "العطوة" في الأردن اجتماعيا، القصد منه تهدئة خواطر عشيرة المجني عليه من قبل عشيرة الجاني، ويخضع نظام "العطوة" للعرف والقضاء العشائري المتبع في المملكة.
 
متظاهرون أحرقوا سيارات في أحد أحياء عمان (الجزيرة نت-أرشيف)
انتقاد
وانتقد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد أبو رمان قيام الجهات الرسمية بأخذ "عطوة" من عشيرة الشاب المصاب، ورأى أنه لا يجوز للأجهزة الأمنية أن تتحول إلى عشيرة وطرف في القضية.
 
ونقل للجزيرة نت مشاهداته لأحداث الشغب بالمدينة التي اشترك فيها مئات الشبان من عشائر مختلفة كانوا يهتفون لمدينتهم ضد قوات الأمن والدرك، معتبرا أن في ذلك خطورة كبيرة لتناقض الهوية الفرعية مع الهوية الوطنية الجامعة.
 
واعتبر أن الأحداث الأخيرة حملت رسائل في أكثر من اتجاه أهمها أنها كشفت مجددا عن أزمة الثقة القائمة بين الدولة ومواطنيها، إضافة إلى أنها تؤكد أن ظاهرة العنف الاجتماعي تتصاعد بشكل خطير دون وجود أي إرادة من الدولة لحلها.
 
وقال أبو رمان "رغم كل التوصيات التي صدرت والتي أكدت أن هناك أزمة تعانيها الدولة والمجتمع فإننا لم نخط حتى اليوم خطوة واحدة تجاه الحل، والحكومة تتعامل مع مخرجات الأزمات من خلال الحل الأمني ولا تتعامل مع مدخلاتها المتمثلة بغياب الإصلاح السياسي والاجتماعي".
 
ويرى أنه بدلا من أن يكون تدخل قوات الدرك والأمن هو الحل الأخير تلجأ الحكومة لهذا الحل أولا مما يؤدي لتفاقم المشكلات واتساعها بدلا من لملمتها.
 
وأشار أبو رمان إلى أن هناك سيناريو متكررا في أزمات العنف الاجتماعي يتمثل بإنكار الدولة وأجهزة الأمن لرواية الناس بأن أفرادها هم من تسببوا في المشكلات، لكنها تتراجع بعد يوم أو يومين وتعتذر وتأخذ "عطوة" من أهل المصاب أو القتيل بعد أن يدفع المجتمع بأسره ثمن العنف الذي تزامن هذه المرة مع أجواء العيد.
 
 أبو رمان: هناك سيناريو متكرر في أزمات العنف الاجتماعي (الجزيرة نت)
عنف اجتماعي
أما الكاتب والمحلل السياسي سلطان الحطاب فلا يميل إلى ما يسميه "تضخيم ظاهرة العنف الاجتماعي".
 
ويرى أن هذا النوع من العنف موجود في أكثر من دولة عربية لا تزال الروابط الاجتماعية والعشائرية فيها قوية، مشيرا في ذلك إلى العنف الذي تشهده مصر واليمن وغيرهما.
 
ويقول للجزيرة نت إن فرض سيادة القانون يكون من خلال الديمقراطية وتكريس العدل والمساواة ومفهوم المواطنة والانتماء للدولة والمجتمع.
 
وفي رأي الحطاب فشلت الجامعات الأردنية في إنتاج الإنسان الأردني الخاضع لسيادة القانون، قائلا "مفهوم الأمن يولد من تكافؤ الفرص والديمقراطية والمساواة، وعندما يسبق فرض الأمن هذه المفاهيم يتحول لنوع من العنف ومصادرة الحريات".
 
واعتبر أن البنية العشائرية الأردنية القوية تتصادم مع بنية الدولة الحديثة، مضيفا "كان يجب على الدولة حسم العلاقة مع العشيرة مبكرا".
 
وأشار إلى أن الملك عبد الله المؤسس حسم العلاقة بين العشيرة والدولة مما أدى إلى قيام الدولة القادرة على فرض سيادة القانون، مضيفا أن "ما يجري هو نتيجة لاستمرار الاستثمار بالبعد العشائري وتكريسه على حساب مؤسسات الدولة".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة