عودة: غياب التوثيق يخلق فجوات في التاريخ   
الخميس 1437/1/2 هـ - الموافق 15/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:03 (مكة المكرمة)، 13:03 (غرينتش)
حاورها/ هيثم حسين-إدنبره

تركّز المترجمة الباحثة والأكاديمية الفلسطينية عبلة عودة على مسألة التوثيق في القضية الفلسطينية، وتلفت إلى أن غيابه يخلق فجوة ويساهم في الانقطاع عن التراث والتاريخ، ويبعد عن تقييم التجربة التاريخية ومحاولة ترميمها وإصلاحها.

كما تبقى عودة -التي تدرّس اللغة والثقافة العربية في جامعة إدنبره بالمملكة المتحدة- منشغلة بهموم الترجمة وقضايا الاندماج والهوية، ناهيك عن تركيزها على اللغة العربية في الغرب، ودورها في التعريف بالقضايا العربية، والتاريخ العربي والإسلامي بعيدا عن الصور النمطية الدارجة لدى عدد من الغربيين.

التقت الجزيرة نت عبلة عودة في جامعة إدنبره، وكان الحوار التالي عن عملها في الترجمة والبحث والتوثيق.

 كيف تنظرين إلى الترجمة، وإلى أي حد يكون التأثر والتأثير بالمؤلفات التي تقومين بترجمتها إلى العربية أو الإنجليزية؟

أرى الترجمة ثقافة إجبارية، فحين تقرأ يمكن أن تمرر بعض الصفحات أو تتجاهلها، أو تغض النظر عنها، لكن وأنت تترجم لا يمكن أن تتجاهل أي تفصيل، ولا حتى علامة ترقيم، لا بد من التدقيق والتشديد ومراعاة الأمانة العلمية.

أترجم بشكل أساسي مع مشروع "كلمة" الذي أرى فيه مشروعا رائدا وطموحا، فهو يختار كتبا من عيون الأدب والمعرفة في العالم لتقديمها للقارئ العربي العادي والباحث المتخصص على حد سواء. ترجمت "تكايا الدراويش: الصوفية والفنون والعمارة في تركيا العثمانية" تحرير رايموند ليفشيز، وقد تعرفت من خلاله عن قرب إلى الطرق والفرق الصوفية، ووجودها في الثقافة العثمانية قبل أن تتم محاربتها بذريعة العلمانية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وهذا الكتاب يعرض هذا الجانب الروحاني الذي أعتقد أنه هام جدا لبلداننا، إذ لا يمكن إلغاء روح الشرق، ولا اعتماد علمانية جافة تقصي الروحانيات. استفدت من ترجمتي لهذا الكتاب واستمتعت بها، فقد أرجعتني لقراءة عدد من شيوخ الصوفية مثل ابن عربي وجلال الدين الرومي.

 ماذا عن الكتاب الأخير الذي انتهيت من ترجمته مؤخرا، وإلى أي حد ساهم بإعادتك إلى عوالم الشرق وأساطيره من خلال "ألف ليلة وليلة"؟

أعاد كتاب "السحر الأغرب: مشاهد فاتنة من وحي ألف ليلة وليلة" للباحثة مارينا وورنر، الأستاذة في جامعة أوكسفورد، صلتي بـ"ألف ليلة وليلة" التي هي جزء من تراثي.

حكايات "ألف ليلة وليلة" أدهشت الجمهور الغربي الذي أحب فكرتها وأجواءها، وشكلت بداية ثورة لهم للتعبير عن ما يعتمل في صدورهم وقلوبهم وأفكارهم

قرأت معظم الليالي، درستها وأنا أترجم الكتاب الذي يقتفي بداية عصر التنوير في الغرب، وبداية دخول أوروبا في عصر الحداثة، حيث كانت قبل ذلك مجتمعات منغلقة محافظة محكومة داخل الإطار الديني المتشدد على صعيدي الفكر والجسد، والأفكار الحميمة كانت في عداد الممنوعة، وكان الخيال والإبداع محاربين بطريقة ما.

"ألف ليلة وليلة" التي تعرّف إليها الغرب بداية عن طريق ترجمة الفرنسي أنطوان غالان، التي تعتبر في بعض جوانبها بمثابة تأليف، وإعادة صياغة وكتابة لبعض الليالي، تلك الحكايات أدهشت الجمهور الغربي، الذي أحب فكرتها وأجواءها، وشكلت بداية ثورة لهم للتعبير عن ما يعتمل في صدورهم وقلوبهم وأفكارهم.

هناك من تلقفها من منطلق عدائي، ووضعها في سياق الصدام مع الشرق، ولا سيما أن التوترات والحروب كانت قائمة مع السلطنة العثمانية التي كانت تشكل تهديدا للغرب، وحاول شيطنة السلطنة العثمانية والعرب والمسلمين عبر ألف ليلة وليلة، في مسعى لعدم إعطائها حجما كبيرا، وهناك من استفاد من جموح الخيال فيها وأعجب بحكاياتها وكتب عنها وصاغ على منوالها قصصا وروايات تنتقد النظم الملكية الأوروبية آنذاك، بالإضافة لممارسات الكنيسة عموما، ولا سيما الكنيسة الكاثوليكية، ومن هؤلاء غوته وفولتير ووليم بيكفورد وغيرهم من مفكري عصر التنوير.

كتب قامت بترجمتها الباحثة عبلة عودة (الجزيرة)

رجعت أثناء ترجمتي لهذا الكتاب إلى كثير من المصادر عن الأساطير والحكايات في الشرق والغرب، نتيجة لسعة الكتاب ومصادره وإحالاته، فقد صاحب الترجمة جهد بحثي مضن. عمل الباحثة مارينا وورنر إقرار بالحق، واعتراف بفضل ألف ليلة وليلة وتأثيرها الهام جدا الذي لا يمكن إخفاؤه على حركة التنوير.

 يشكل التوثيق أحد همومك الدائمة وجانبا من أبرز انشغالاتك في البحث والترجمة، فما الذي تحدثيننا به عن هذا الأمر؟

للتوثيق أهميته في التراكم التاريخي المعرفي، ذلك أن غياب التوثيق يخلق فجوة ويساهم في الانقطاع عن التراث والتاريخ، ويبعدنا عن تقييم التجربة التاريخية، وعن محاولة ترميمها وإصلاحها. ولا أرى أن التقييم مبكر بأي شكل من الأشكال، ولا سيما أننا استنفدنا الحلول والبدائل المتاحة كلها. استنفدنا السياسة والسلاح وخيار الدولة. ونحن أمام مرحلة استحقاقات مهمة للتقييم، وللبحث عن خيارات جديدة، إذا أردنا لحقوقنا أن تظل موجودة، ولقضيتنا أن تبقى مستمرة. ولن يكون التقييم ذا جدوى إلا من خلال التوثيق.

 هل تأتي ترجمتك لكتاب "ليلى خالد.. أيقونة التحرر الفلسطيني" للإنجليزية سارة إرفنغ في سياق التوثيق الذي تشتغلين عليه؟

أنا مهمومة بموضوع التوثيق في القضية الفلسطينية وأكرس جزءا من وقتي لذلك. ليس لدينا ما يكفي من التوثيق للحركة النضالية الفلسطينية، وهذا مؤسف للغاية. ليس لدينا كتب توثيقية عن تجارب كثير من الشخصيات الفلسطينية المؤثرة، وليس هناك توثيق حقيقي للتنظيمات الفلسطينية وعملها منذ بداية تكوينها حتى الآن.

أنا مهمومة بموضوع التوثيق في القضية الفلسطينية، وللأسف ليس لدينا ما يكفي من التوثيق للحركة النضالية الفلسطينية

مؤلفة الكتاب سارة إرفنغ، باحثة إنجليزية متضامنة مع القضية الفلسطينية، ولها عدد من الأبحاث والمقالات في هذا الموضوع، وكتابها هذا وثيقة هامة عن امرأة سياسية حزبية يسارية فلسطينية، وهذه أدوار تدعو للتوثيق المحايد، كأقل ما يمكن. كفلسطينية، أرى أنه حان الوقت لتقييم تجاربنا كحركة نضالية فلسطينية، ومراجعة وتقييم أسباب فشلنا. لا بد من تقييم التجربة عبر التوثيق لها.

 عملت في أكثر من مكان في العالم العربي وفي بريطانيا، ما الفروقات والتحديات التي لمستها في المجال الأكاديمي؟

الفروقات كبيرة جدا. من خلال تجربتي المباشرة في التعليم العالي في أكثر من مكان في العالم العربي، وتجربتي هنا في بريطانيا، هناك فروقات في المنهجية، وفي المادة التعليمية نفسها. وهناك التربية الديمقراطية التي تحكم علاقات الطلاب والأساتذة والمؤسسة كذلك.

الاختلاف موجود أيضا في المعايير الأكاديمية وعمليات التقييم وأحكامه، ومنظومة البحث العلمي التي تعد من أولويات أي جامعة بريطانية، إذ دون تقديم حصة كافية من الأبحاث سنويا لا تحصل الجامعة على تمويل من الحكومة ولا من المؤسسات الخاصة.

 تعيشين بين ظهراني المجتمع البريطاني، وتعملين فيه، كيف تنظرين إلى جانب الاندماج وقضية الهوية، ولا سيما أنك تدرسين الثقافة العربية وتداخلاتها مع الغرب؟

لا شك أن غياب الديمقراطية هو أساس المشكلات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا العربية، وفي الغرب لا بد من الإشارة إلى ضرورة الاندماج في المجتمع الجديد، والاستفادة من الفرص المتاحة في التعليم، والعمل، والثقافة، وفي جميع المجالات التي توفرها الدول الغربية للجميع بدون مقابل عقائدي أو مادي.

لا شك أن غياب الديمقراطية هو أساس المشكلات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا العربية

والاندماج لا يعني أن يتخلى الشخص أو المهاجر عن هويته ويفقد شخصيته على الإطلاق. في الهوية تميز لافت، وهي تجسد ثراء الاختلاف، وتساهم في بناء مواطن متعدد الثقافات، وهذا يكون أكثر ثراء من القادم من مرجعية واحدة وثقافة واحدة.

الاندماج والحفاظ على الهوية يتكاملان من خلال الإبقاء على ايجابيات الموروث الثقافي في التراث، والطعام، والطبخ، والروحانيات، نجمعها مع الجوانب الإيجابية في المجتمع الجديد المتمثلة في أخلاقيات العمل، والالتزام بالقانون واحترام الآخرين، والابتعاد عن الانغلاق والتقوقع، والعدوانية المبطنة تجاه المجتمع الجديد، لأنها تخلق في أذهاننا مخاوف لا داعي لوجودها أساسا. والاندماج يساهم في إثراء الهوية، والخروج من الإطار الضيق نحو رحاب الإنسانية، ويساهم في التصالح مع الذات والمحيط، وينعكس بشكل إيجابي على حياة المرء وتحقيق أهدافه.

 تعملين في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة إدنبره، وهو قسم عريق جدا، وتدرسين اللغة العربية للناطقين بغيرها، فكيف تلمسين النظرة إلى الشرق واللغة العربية؟

قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية هنا ضد الاستشراق بمفهومه السلبي، ويضم عددا من الباحثين والمستشرقين البارزين الذين يشكلون حلقة وصل بين حضارتين وثقافتين. أدرّس في برنامج الماجستير في اللغة والثقافة العربية للطلاب الأجانب. وقد دفعني التدريس إلى مراجعة أفكاري وقدراتي من ناحية اللغة العربية الفصحى، وجعلني أتصالح مع العامية. لم أكن أسمح لنفسي بالعامية أثناء محاضراتي، الآن صار مطلوبا مني أن أقوم بتدريس الفصحى والعامية معا. أدرّس الفصحى كي يتعلم الطلاب القراءة والكتابة، والعامية كي يتواصلوا مع الآخرين في حياتهم اليومية ويتفاعلوا معهم، ولا سيما أثناء زياراتهم للبلدان العربية.

تكمن هموم الترجمة في عدم وجود مصطلحات موحدة متفق عليها. عانيت الأمرّين في اكتشاف المصطلحات والتفتيش عنها، كي لا يكون الاجتهاد خروجا عن الدارج والمألوف

في القسم نحن معنيون بتهيئة الطلاب للقراءة والكتابة وتوفير لغة وأساليب التخاطب اليومية في الآن ذاته. إنها تجربة جديدة. وبعيدا عن الهجوم على العامية، وتجاهلها، تعلمت ألا أحط من شأنها في التدريس الأكاديمي، لأنها باتت جزءا منه بالنسبة لي.

 ما الصعوبات التي تواجهينها أثناء عملك في الترجمة؟

تكمن هموم الترجمة في عدم وجود مصطلحات موحدة متفق عليها. عانيت الأمرّين في اكتشاف المصطلحات والتفتيش عنها، كي لا يكون الاجتهاد خروجا عن الدارج والمألوف. هنالك نوع من التوهان الإصطلاحي، وفوضى في المصطلحات وترجماتها. ذلك أننا كمتلقين نخترع ترجمات ولا نتفق عليها، ومجامع اللغة العربية لا تواكب البحث العلمي الحديث، وعمل الفريق غائب، ونفتقر لقواميس عصرية مواكبة.

 ماذا عن مشروعك القادم، وهل يمكن أن نقرأ نصوصا إبداعية لك بعد أعمالك في البحث والترجمة؟

أفتقد لغتي الأدبية أحيانا، تلك اللغة التي أسميها بـ"لغتي الحميمة"، التي تعبر عن مشاعري وأحاسيسي، في الترجمة أقصي ذاتي لصالح الدقة. وعندما أفتقد لغتي الحميمة أكتب قصائد ونصوصا أراكمها، ربما أسعى إلى نشرها لاحقا. هناك دوما مشاريع مؤجلة عندي، وأنشغل بالمشاريع العاجلة، وأؤجل مشاريعي الشخصية.

مشروعي القادم هو جزء من همي بتوثيق تجارب الفلسطينيين، أسعى لترجمة كتاب "حوار مع معين الطاهر، الكتيبة الطلابية: تأملات في التجربة"، وأجرى الحوار إلياس خوري وميشال نوفل للإنجليزية. وأنا أرى أن تجربة معين الطاهر في الحركة النضالية الفلسطينية تجربة جديرة بالتوثيق باللغة الإنجليزية، لأنها تجربة واقعية معيشة ترصد مرحلة تواجد المقاومة في لبنان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة