مكانة القصة في زمن الرواية بندوة في عمّان   
الخميس 1435/5/27 هـ - الموافق 27/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)
القاص هشام البستاني (يمين) والناقد فيصل دراج أثناء الندوة (الجزيرة)
توفيق عابد-عمّان
 
في ندوة" القصة القصيرة في الأردن والعالم العربي" بعمّان أشار عدد من المتدخلين من الأدباء والنقاد إلى أن القصة كجنس أدبي تشهد تراجعا على صعيد الاهتمام والنشر لفائدة الرواية التي اكتسحت المشهد الإبداعي الأدبي، لكنها تبقى مجالا إبداعيا مهما وقابلا للتطور.
 
وأشار القاص هشام البستاني إلى أن القصة القصيرة تعد تحديا جماليا وأدبيا كبيرا وجغرافيا ضيقة يصنع فيها تاريخ طويل ومساحة محدودة ينبغي على الكاتب أن يصنع فيها عوالمه وشخصياته بأبعاد الفيزياء المعاصرة محققا الاندهاش أو التأمل في فن يتطلب حساسية عالية.

وقال في مداخلة ضمن ملتقى الثلاثاء الثقافي بدائرة الفنون في العاصمة الأردنية بعنوان "القصة القصيرة في الأردن والعالم العربي" إن القصة القصيرة تفتح مجالا أوسع للاشتباك مع الأجناس الأدبية الأخرى وفي مقدمتها الشعر وتجنح لتحفيز التخييل عند المتلقي وإشراكه في صناعة النص.

وفي تعليقه على مداخلتي الناقد العراقي عبدالله إبراهيم بالندوة والذي نفى أن تكون القصة جنسا أدبيا مستقلا واستحالة تطورها، والناقد الأردني فخري صالح الذي اعتبر القصة أدبا هامشيا قال البستاني إن مستقبل الكتابة يقع في ما سماه المناطق التخومية أو الاشتباكية بين الآداب والفنون الأخرى، وإن التخوم لا تلغي وجود الأنواع بل تؤكدها.
 
جانب من الحضور في ندوة "القصة القصيرة في الأردن والعالم العربي" (الجزيرة)
أقرب إلى الواقع
وقال صاحب "عن الحب والموت" إن الرواية "تشكل إنتاجا للخيال الرومانسي، بينما تذهب القصة للجوهر، ويرى أن عالمنا الموغل في الخراب والاضطراب والحروب والمجاعات والمذابح والممتلئ بالمأزومين والمتوترين والمضطهدين والهامشيين هو عالم القصة القصيرة المثالي باعتبارها أداة متميزة فنيا وإبداعيا على مقاربة هذا العالم، إنه عصرها".

واعترف البستاني بأن الحاضر هو زمن الرواية، التي وصفها بالابنة المدللة للناشرين والتي تحولت بإمكانياتهم لسلعة أدبية، ولهذا اندفع قاصون وشعراء إلى الرواية وأهملوا ما كانوا يشتغلون عليه وعكف كثيرون لا يملكون الموهبة أو الحرفية أو أدوات الكتابة البسيطة على كتابة الرواية عسى أن يسطع نجمهم.

واعتبر صاحب "الفوضى الرتيبة للوجود" أن الروايات الناجحة تجاريا غالبا ما تكون ضعيفة فنيا وقد تنجح -حسب رأيه- روايات أخرى من خلال قضايا غير إبداعية تعد حاملا إبداعيا للنص رغم ضعفه مثل القضية الفلسطينية أو المأساة السورية، إضافة إلى جنس الكاتب أو علاقاته العامة وقدرته على ترويج نفسه.

ويرى البستاني أن القصة القصيرة تطورت نوعيا أكثر من الشعر والرواية لأنها منفتحة على  التجريب، لذا ستظل حية طالما امتلكت إكسيرها الأهم وهو القدرة على التطور، وستشهد رغم التوقعات المتشائمة انبعاثا جديدا رغم الخطر من نصوص سطحية وسخيفة ومبتذلة وجاهلة في وسائل التواصل الاجتماعي، كما يقول.

غسان عبد الخالق: تراجع القصة القصيرة مرده التحولات في المجتمع العربي (الجزيرة)

الإبداع هو الحكم
وفي مداخلته، قال الناقد الدكتور فيصل دراج -الذي أدار الملتقى- إن الأساس في الأجناس الأدبية هو الإبداع، والدافع لوجود القصة القصيرة هو المكان الملائم للحديث عن قضايا الإنسان، واعتبر أن القصة القصيرة أقرب ما تكون لما يقوله العرب البلاغة في الإيجاز، معربا عن اعتقاده بأن القصة في شكلها الحقيقي تجسيد للبلاغة في الإيجاز.

ورأى أن قوة القصة القصيرة أو أي جنس أدبي تكمن في القدرة على التجدد والاستمرارية، فقد ذهب القاص المصري يوسف إدريس وبقيت القصة.

من جهته، عزا الناقد الأكاديمي غسان عبد الخالق تواري أو تراجع القصة القصيرة لأسباب تتعلق بالتحولات الاجتماعية العميقة في بنية المجتمع العربي، وقال للجزيرة نت إذا كانت الرواية تعتبر ملحمة البرجوازية فإن القصة تعتبر وبامتياز ملحمة الفرد في هذه الطبقة وبشكل خاص الفرد المدني.

وأضاف أنه نظرا للتآكل في الشخصية المدنية بسبب تداخل الأنماط داخل ما يسمى المدينة العربية التي أصبحت عبارة عن سور يضم البدوي والفلاح والمدني ولم يعد هناك مجال لفرز خصائص مدنية واضحة فقد تراجعت القصة القصيرة وتقدمت الرواية.

ولفت إلى وجود أسباب أخرى لتراجع القصة، منها ارتباطها بأسماء نسوية التي روجت لأنوثتها وليس إبداعها وأيضا ما يتعلق بالذائقة النقدية، حيث يستسهل قراءة المشهد الروائي لأنه يكون قابلا لتفسيرات أيديولوجية سهلة في حين يحتاج المشهد القصصي لجهاز نقدي حساس يفتقد إليه كثير من النقاد المعنيين بالمضمون على حساب الشكل.

بدورها، دافعت القاصة محاسن الحمصي عن القصة القصيرة، وقالت إنها ليست طفرة أو موضة تنتهي بل هي تعبر عن حاجة الجيل الجديد للاطلاع على نمط جديد يلائم زمنه، وستجد الاهتمام والتطور والإقبال ما دام هناك من يتبنى رعايتها ودفعها لتحتل مكانة كما الرواية والقصيدة النثرية.

وقالت الحمصي في حديث للجزيرة نت إن من يراهن على تراجع القصة القصيرة أو الحد من انتشارها مخطئ، فهي باقية ببقاء القلم المبدع الذي أوجد لها مكانة وقيمة وقراء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة