يورغن بوس: الكتاب جسر الحضارات   
الخميس 1432/2/15 هـ - الموافق 20/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)
مدير معرض فرانكفورت الدولي للكتاب أعمال يورغن بوس (الأوروبية)

حاوره: خالد شمت
 
شارك مدير معرض فرانكفورت الدولي للكتاب يورغن بوس في أعمال منتدى الجزيرة لصحافة الإنترنت الذي عقد في الدوحة يومي 19 و20 الشهر الجاري بمشاركة نخبة من الإعلاميين وخبراء الصحافة الإلكترونية والأكاديميين والمدونين. وكان للجزيرة الحوار التالي معه:

بمناسبة زيارتكم لأول مرة للدوحة ومشاركتكم في منتدى الجزيرة نت لصحافة الإنترنت وحرية الرأي، هل يمكنكم إعطاء زوار الجزيرة نت فكرة حول معرض فرانكفورت الدولي للكتاب؟

معرض فرانكفورت هو المعرض الرائد والأهم من بين 26 معرضا للكتب الحديثة في العالم، وهو أيضا أكبر معرض للتجارة والمبادلات بين دور النشر العالمية، ويعود تاريخ المعرض إلى أكثر من خمسة قرون، حيث تأسس بالتوازي مع اختراع العالم الألماني حنا غوتنبيرغ للطباعة عام 1445 في  ماينز المجاورة لمدينة فرانكفورت.

وقد حول هذا الاختراع فرانكفورت إلى مركز رئيسي لطباعة وتجارة الكتب في ألمانيا وأوروبا، وطبع بهذه المدينة حينذاك الإنجيل وكتب كثيرة أخرى جرى عرضها في معرض أقيم هناك استهدف النهوض بصناعة الكتب الوليدة والترويج لها في عموم أوروبا.

وتأسس المعرض للمرة الثانية عام 1919 غير أن افتتاحه رسميا بشكل مماثل لهيئته الراهنة، جرى لأول مرة عام 1949 بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ويقدم معرض فرانكفورت نفسه منذ ذلك الحين على أنه منتدى ثقافي واقتصادي وسياسي، وتجمع سنوي للمتخصصين في صناعة النشر وبراءات الملكية الفكرية من كافة الدول.

يورغن بوس (الثاني يسارا) شارك في أعمال منتدى الجزيرة نت بالدوحة (الجزيرة نت)
ومن أهم الأهداف التي تسعى إدارة المعرض لتحقيقها الارتقاء بعوالم الفكر والإبداع، وتقديم دعم فعال لصناعة النشر وتجارة الكتب داخل ألمانيا وخارجها عبر دورات التطوير المهني والمؤتمرات المتخصصة والاتصالات وغيرها.
 
هل لديكم إحصائيات رسمية حول حجم المبادلات المالية السنوية في معرض فرانكفورت؟

لدينا إحصائيات تتعلق بأعداد العارضين وعناوين الإصدارات الجديدة، ويشارك في المعرض سنويا أكثر من سبعة آلاف عارض من أكثر من 110 دول، يعرضون سنويا عناوين إصدارات جديدة تزيد على 40 ألف عنوان في مختلف مجالات الكتب والمعرفة. وفي المقابل لا تتوافر لدينا إحصائيات حول حجم النشاط الاقتصادي المتداول بالمعرض كل عام، لأن كل دار نشر تعتبر أن هذه أمور خاصة بها وحدها ولا ينبغي أن يطلع عليها منافسوها من الناشرين الآخرين.

هل تقدم الدولة الألمانية دعما لتشجيع ثقافة القراءة في البلاد؟

دعم الدولة الألمانية لثقافة القراءة يقدم من خلال مستويات متعددة، وكل ولاية من ولايات البلاد الستة عشرة مسؤولة وفق النظام الفدرالي عن التعليم والثقافة في مناطقها، وهي تقدم من هذا المنطلق الدعم لفعاليات اليوم العالمي للكتاب التي تجري في الثالث والعشرين من أبريل/ نيسان سنويا، وتقدم فيها قصص وكتب بالمجان لآلاف من تلاميذ المدارس.
 
والحكومة الألمانية استحدثت بدءا من العام الجاري مشروعا جديدا لتشجيع القراءة تقدر كلفته بـ26 مليون يورو سنويا ويتلخص في تقديم ثلاث مجموعات من الكتب مجانا للأطفال في سن عامين وثلاثة أعوام وعند دخول المدرسة.

وهناك نوع آخر من الدعم الحكومي يهدف لنشر لغة وثقافة البلاد في الخارج، وهذا المشروع يشارك فيه معرض فرانكفورت ومعهد جوته اللذان يعدان دعامة السياسة الثقافية لوزارة الخارجية الألمانية التي تتولى تمويل هذا المشروع والفعاليات المتعلقة به.

الكتاب هو أساس معرض فرانكفورت، غير أن زائر المعرض يفاجأ بأن الكتاب في فرانكفورت –مثله مثل معارض أخرى– أصبح في السنوات الأخيرة، محاصرا بأشياء كثيرة كالسياسة ممثلة في مظاهرة احتجاج بهذه القاعة أو تلك، ومحاطا بتقنيات الإعلام الجديد، وتقليعات شبابية كرنفالية، وغير ذلك. ألا ترى أن هذه الظواهر تعزز من انسحاب الكتاب وحضوره في معقله السنوي التاريخي؟

معرض فرانكفورت هو كما تفضلت أنت معقل للكتاب التقليدي المطبوع، وأضيف أنا كذلك أنه معقل للمواجهات الفكرية وتلاقي وتلاقح النقاشات ودعم ثقافة القراءة، وهذه الأنشطة التي أشرت إليها ترتبط في النهاية بالكتاب والقراءة وليست بمعزل عنهما، وهي لا توجد في معرض آخر مما تحفل به ألمانيا من معارض.

 110 دول تشارك سنويا في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب (الجزيرة نت- أرشيف)
وهذه الفعاليات تدل على أن الكتاب المطبوع ما زال حيا ونابضا وحاضرا في قلب المشهد الثقافي والمجتمعي وأن تأثيره يتجاوز صفحاته الورقية إلى التجارة والمبادلات المتعلقة بالنشاط الفكري وما يدور في عقول المبدعين والمتلقين.

كيف تنظر وأنت الخبير المتمرس بسوق النشر في ألمانيا والعالم، إلى مستقبل نشر الكتاب؟

صناعة الكتاب تعرضت وسوف تتعرض لطفرات هائلة من التغيرات والتطوير، غير أن الوظيفة المحورية لدور النشر المتمثلة في اختيار المضامين والجودة العالية للمطبوع والدعاية والترويج للكتاب قي العالم، ستبقى كما هي دون تغير يذكر، وما تغير في السنوات الماضية وسوف يشهد تغيرا إضافيا مستقبلا هو طريقة توزيع وتجارة الكتب التي ستشمل توسيع نطاق النشر والتوزيع الإلكتروني، وزيادة اعتماد المؤلفين على الإنترنت أكثر فأكثر في عرض وتوزيع  كتبهم، وبشكل خاص فإن ألمانيا لديها بنية تحتية للنشر والتوزيع تعتمد على الأسعار الثابتة للكتب، وجعل الدولة ضريبة المبيعات على الكتب منخفضة جدا بهدف حماية بنية دور وصناعة النشر.

معرض فرانكفورت يعد من المؤسسين لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، ما هو أبرز ما حققتموه حتى الآن من تطوير في هذا المعرض العربي؟

معرض أبوظبي هو أحد المعارض العربية العريقة وكان يركز -مثله مثل معارض عربية أخرى- على البيع المباشر للجمهور طوال أيامه، وما قمنا به بوصفنا جهة استشارية مسؤولة عن التطوير بأبوظبي، هو منح دور النشر العربية التي لا تستطيع الحضور إلى فرانكفورت منتدى خاصا بها بهذا المعرض العربي للتواصل مع صناعة النشر العالمية.
 
وركزنا أيضا بشكل رئيسي على تجارة المضامين والأفكار، وإقامة شبكة لمبادلات رخص النشر وحقوق الملكية الفكرية بين دور النشر ومعارض الكتاب العربية ونظيرتها العالمية، وبناء نظام متطور للتسويق والتوزيع يصل بسوق النشر في هذه المنطقة إلى مستوى عالي الكفاءة يتجاوب مع معايير الأسواق العالمية.

هناك من يعتبر أن علاقتكم مع معرض أبوظبي اهتمت بالفائدة الاقتصادية أكثر من الأبعاد الثقافية ما هو ردكم؟

لا أوافق على هذا، لأن عمليات تطوير معرض أبوظبي ركزت بشكل مواز إلى جانب ما تقدم، على الجوانب الإبداعية وشملت  تخصيص مساحات كبيرة بالمعرض للأنشطة الثقافية الموجهة للأطفال وإقامة العديد من المبادرات الهادفة لتشجيع القراءة في المنطقة العربية، وزيادة فعاليات اللقاء المباشر بين الكتاب العرب والعالميين وجمهور المعرض.
 
هل تجربتكم مع معرض أبوظبي قابلة للتكرار مع معارض كتاب عربية أخرى؟

معرض فرانكفورت اعتبره بوس منبرا للتلاقي الحضاري بين الأمم (الجزيرة نت-أرشيف)
نحن نتعاون بشكل محدود مع معارض الكتاب في الأردن ولبنان وأيضا في طهران، ونتمنى توسيع نطاق هذه الجهود مع المعارض العربية التي نركز في علاقتنا معها على تطوير صناعة النشر في هذه المنطقة.
 
لدى معرضكم أيضا علاقات مميزة مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، ما الذي ركزتم عليه أكثر في هذه العلاقة؟

معرض القاهرة الدولي للكتاب يعتبر من أكبر معارض بيع وتجارة الكتب العربية، كما أن مصر تعد بسبب كثافتها السكانية الكبيرة، أكبر سوق للكتب في العالم العربي والشرق الأوسط، ولهذا حرصنا على علاقة متميزة مع معرض القاهرة بهدف التواصل مع الناشرين في هذا المنطقة، والمجالات التي نركز عليها مع المعرض المصري هي كتب الأطفال والكتب التعليمية ودورات ومنتديات تطوير دور النشر، والفائدة في هذا الجانب تتجاوز مصر إلى المنطقة العربية عموما.
 
هل يمكن القول إن معرض فرانكفورت تحول إلى آلية مساعدة لتطوير معارض الكتاب العالمية؟

هناك معارض عالمية ضخمة لبيع الكتب مباشرة للجمهور مثل معرض الهند الذي يزوره الملايين سنويا، غير أن ربط العديد من معارض الكتاب العالمية لنفسها بمعرض فرانكفورت وبالمعايير المعتمدة فيه، حولنا إلى أكبر معرض رائد في التطوير والإسناد وجعلنا نتطور بالفعل إلى مؤسسة متخصصة في تقديم الاستشارات والخدمات في مجال صناعة الكتاب والنشر على المستوى العالمي، وقد قمنا بمبادرات في هذا الاتجاه شملت معارض الكتاب في الكاب بجنوب أفريقيا ومعارض المكسيك والأرجنتين إضافة إلى معرض أبوظبي.

في الوقت الحالي تسود حالة من الاحتقان وعدم الثقة المتبادلين بين العالم الإسلامي والغرب، ومعرضكم كان له إسهامات في بناء الجسور بين الحضارات وتفعيل الحوار الثقافي بينها، هل من مبادرة لمعرضكم في هذا الاتجاه؟

"
مجهودات الترجمة العربية الحالية تدور حول قضايا وأمور تقليدية منقطعة الصلة بالنقاشات التي تطبع المشهد الثقافي الحالي في ألمانيا وأوروبا

يورغن بوس
"

خلال مشاركتنا في معرض القاهرة ضيف شرف قبل سنوات، أسسنا منتدى للحوار بين  الثقافات، وقد سعينا بعد ذلك لعمل منتدى مماثل له في معرض فرانكفورت، وأنا أتصور أن المشكلات الكبيرة القائمة هي بسبب جهل كل طرف بالآخر، والكتاب هو خير وسيلة تواصل يمكنها تجسير الحوار بين الحضارات بشكل بسيط وفعال في آن واحد، لكن المشكلة هي أن ما يترجمه العالم العربي لتعريف الألمان بنفسه وبحضارته قليل إن لم يكن شبه منعدم، ومجهودات الترجمة العربية الحالية تدور حول قضايا وأمور تقليدية منقطعة الصلة بالنقاشات التي تطبع المشهد الثقافي الحالي في ألمانيا وأوروبا.

ما هي المعايير التي تحكم اختيار معرض فرانكفورت لدولة أو إقليم ثقافي في العالم ليكون ضيف شرف؟

طلب الترشح يأتي أولا من الدولة أو الإقليم الثقافي الراغبين في الاستضافة، ودور معرض فرانكفورت بعد ذلك هو بحث الطلبات المقدمة والبت فيها استنادا إلى معايير تركز أولا على التوازن الجغرافي والبعد عن التكرار في تمثيل مناطق العالم، فإذا اختيرت هذا العام دولة من آسيا تختار في العام القادم دولة من أوروبا أو أفريقيا أو العالم العربي.

وهناك معيار آخر مهم وهو الاقتصاد الذي يحدد هل الدولة المرشحة لضيافة الشرف مهمة لصناعة النشر العالمية أم لا، وهناك عامل آخر ذو أهمية هو هل الدولة أو الإقليم الثقافي المرشحان للضيافة، مستعدان للتواصل والتبادل الثقافي.

وهذا العام على سبيل المثال سنستضيف دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة هي آيسلندا التي ستنفذ مشروعا للترجمة هو الأضخم من نوعه في تاريخ معرض فرانكفورت تتم فيه ترجمة أدب هذه الدولة إلى أربع لغات عالمية في وقت واحد. 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة