شوقي أبو شقرا يكتب عن العالم بلغة القرية   
الأحد 1426/1/4 هـ - الموافق 13/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 22:34 (مكة المكرمة)، 19:34 (غرينتش)

عند قراءة مجموعة الشاعر شوقي أبو شقرا الأخيرة "تتساقط الثمار والطيور وليس الورق" قد يخيل للقارئ أن الشيب لا يلحق ببعض الناس.

فالشاعر ما زال يكتب وكأنه "ساحر الغاب" يسير كما في السابق على رأسه ويتحرك في الغرابة وسط جيش من الأرانب والطيور والزهور والأشجار.

ويمكن لمن يسعى إلى رصد عام وسريع لقاموس أبو شقرا الشعري أن يتوصل إلى أن الشاعر يكتب عن العالم ومشاغله الحاضرة والقادمة بلغة القرية وبمفردات بينها ما كاد يبتلعه الزمن.

فهو أحيانا يحمل العالم الحديث ومشاغله إلى عالمه الخاص عالم الريف وكائناته, العالم الرومانسي المسكون بالطفولة والأحلام ويربط بغرابة وشيء من الرمزية أحيانا, مصطلحات الحاضر بمصطلحات الماضي كأنه بذلك يريد للأخيرة ألا تموت.

وبذلك المزيج الغريب يخدعنا شوقي أحيانا ببساطة تكاد تدفع إلى التساؤل عما يريد أن يقوله, لنكتشف أحيانا أنه بتلك اللغة التي رافقته منذ زمن طويل دون أن تكتهل يتحدث عن حركة الزمن والكهولة والشيخوخة وما بعدها. وكأنه في دخوله في الطبيعة يحولها بنضرتها الدائمة إلى تمويه يخفي تحته ما تفعله حركة الزمن أو لعل ذلك كله تعويض عما فات.

ونجده في مجالات أخرى يتحد مع هذه الطبيعة في اندماج صوفي إلا أنه سرعان ما يعود ليطل في صوره القديمة المألوفة ومنها صورة ساحر الغاب تارة وصورة الطفل الشقي الذي يتسلى بإطلاق ألوف فقاعات الصابون ينفخها فتخلق غابات ونجوما وأشياء لا تحصى.

مجموعة أبو شقرا وهو أحد رواد الشعر الحديث في لبنان من خلال ما سمي قصيدة النثر وأحد شعراء مجلة "شعر" التي أسسها الشاعران يوسف الخال وأدونيس وآخرون, صدرت عن دار نلسن في السويد ولبنان بالتعاون مع مجلة "الحركة الشعرية" في المكسيك.

حمل غلاف المجموعة جزءا من إحدى قصائدها التي تجسد كثيرا من سمات شعر المجموعة وشعر أبي شقرا عامة, وهنا نص القصيدة:

نشحب طويلا من مزمار
البلاد البعيدة عن دموعنا
وقبل الزيارة ورسم العصفور
وذرف القصيدة
نباغت الوجه بالبودرة المثقلة
بذاتها
بالأدوات الملآى والعلب
والأسرار
ثم نطرش الأنف بالذهب
والخدود بالأزرق والذقن بالأسود
وحيث ينام الولد نلون الولد
ونتهادى على العصا على المكنسة
ونجر كلب الغرفة ودب السرير إلى أسفل القاعدة
ولا نبالي بالقاعدة ما دمنا نأكل الفلافل
ونحشو ضرسنا بالفضة
ونطرد السوس وراء الحدود
تلفنا الرحمة ببساطها
ونعين الإنسان سفيرا لدى الغابة.

تحفل قصائد أبو شقرا بكلمات يوميات الحياة وهي كلها ريفية ووليدة مدن وهي كذلك كلمات الحياة عامة فمنها بشكل خاص ما يشير إلى ما يؤكل وإلى ما يشرب وإلى ما يلبس وما يتناول أثاث البيوت والأبواب والنوافذ والسطوح القديمة وينابيع المياه والجرار التي تعبأ منها والأوعية المختلفة ومنها ما يعود إلى الطيور والحيوانات البرية والداجنة والأرض والأنهار والمواسم, ونجد كثيرا منها يترافق مع مصطلحات السياسة والدبلوماسية والفن والدين واللغة والحرب وكثير غيرها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة