عبد الله جاب الله: نحن مع الميثاق الجزائري على أن يستكمل   
السبت 1426/8/21 هـ - الموافق 24/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:06 (مكة المكرمة)، 11:06 (غرينتش)

جاب الله ثمّن إيجابيات الميثاق وانتقد سلبياته (الفرنسية-أرشيف)

حاوره: أحمد روابة

يوضح رئيس حركة الإصلاح الوطني الجزائري عبد الله جاب الله موقف حزبه من ميثاق السلم والمصالحة المعروض للاستفتاء في الجزائر، ويحدد موقعه في المعارضة من أحزاب التحالف الرئاسي التي تدعو إلى التصويت لصالح مسعى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

كما يؤكد أن نص الميثاق يحمل بصمات تيار الاستئصال المعارض للمصالحة، وأن التوازنات السياسية هي التي فرضت صيغته الحالية داعيا إلى النضال من أجل تطويره لاستكمال المصالحة الحقيقية.

ما تقييمكم لمشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الذي يعرضه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستفتاء الشعبي يوم 29 سبتمبر/أيلول الجاري؟

"
المطلوب أن تعالج الملفات بصفة عادلة، وأن يتمتع المعنيون بحق المواطنة الكاملة غير المنقوصة
"
بعد الدراسة المعمقة للمبادرة سجلنا جملة من التحفظات والإيجابيات. أما التحفظات فهي أن الميثاق أهمل الجانب السياسي، وهو سبب الأزمة، وبدون معالجته تظل جذورها قائمة، وحمل طرفا واحدا المسؤولية، وثمن سياسات النظام السابق في معالجة الأزمة، وأشاد بأصحابها، وأقر عدم متابعتهم.

كما أن الميثاق لم يعالج كل الملفات واقتصر على أهمها، واعتمد في معالجة الملفات، عقلية الغالب والمغلوب، وجنح إلى العفو والتعويض، والحرمان من الحقوق السياسية.

أما الإيجابيات فهي أنه تكفل بأهم الملفات بشكل إيجابي، وبناء على هذا التقييم نرى أن الميثاق أقرب إلى العفو منه إلى المصالحة، وأنه يعتبر خطوة على طريق المصالحة.

ماذا تقصدون بإهمال الجانب السياسي في الميثاق؟

سجلنا ذلك على اعتبار التسمية نفسها "من أجل السلم والمصالحة" التي تعني جمع المواطنين على ما هو خير، وتأليف قلوبهم عليه. ويقتضي ذلك معالجة الملفات بعقلية "لا غالب ولا مغلوب" واعتماد النهج الذي يؤلف بين قلوب جميع الأطراف، ويؤسس لاقتلاع الأزمة واجتثاثها من جذورها، ويمنع تكرارها في المستقبل. ومن ثم لابد من تناول الملفات المختلفة، بما فيها الملف الأمني والسياسي.

ما الذي كان ينبغي في نظركم توفره في الميثاق ليكون مكتملا؟

أن يتناول ما يتعلق بمقومات الأمة من شخصية وهوية، وما يحفظها من كل عدوان، ويضمن تكفل الدولة بترقيتها، ويؤسس لتداول الأحزاب على السلطة، عن طريق الانتخابات الشرعية الحرة والنزيهة، ويمنع كل أشكال العدوان على إرادة الأمة، وتوفير ضمانات تحمي الحريات الفردية والجماعية وحمايتها من التعسف، وتعزيز صلاحية الرقابة على السلطة، وضمان توازن حقيقي بين السلطات.

هذه المسائل هي التي تؤسس لنظام راشد وعادل، وتضع الجزائر على الطريق الصحيح، وتضمن لها النجاح في تحقيق أهدافها الإستراتيجية في الإصلاح. والملاحظ أن الميثاق أهمل هذه الجوانب رغم أن سبب الأزمة هو العدوان على المسائل التي ذكرنا، منها الانتخابات البرلمانية لسنة 1991.

أما الملف الأمني الذي عالجه الميثاق فيتكون من ملفات ضحايا الأزمة الذين هم على وجه الخصوص المفقودون، والمفصولون من وظائفهم، والمسجونون سياسيا، والمهجرون، والمسلحون، وعائلات القتلى في الجهتين.

والمطلوب أن تعالج الملفات بصفة عادلة، وأن يتمتع المعنيون بحق المواطنة الكاملة غير المنقوصة. والملاحظ أنه تمت معالجة بشكل إيجابي إلى حد بعيد، إلا أن الميثاق حرم طوائف من الاستفادة، وحرم البعض من حقوقهم السياسية. وهو ما جعلنا نقول إنه خطوة نحو المصالحة جديرة بالتثمين، على أن يظل النضال قائما لاستكمال الخطوات الأخرى.

لكنكم تنادون بالتصويت لصالح الميثاق، هل لأنه ضروري للجزائر أم لأنه لا يوجد بديل؟

نضالنا من أجل هذه المسائل، كما لا يخفى على أحد، بدأ منذ الإضراب السياسي سنة 1991 (الذي دعت إليه الجبهة الإسلامية للإنقاذ) وجعلنا محور نضالنا كل هذه السنوات، المصالحة.

لقد دأبنا على تثمين كل خطوة إيجابية خادمة لهذا المسعى، حتى لو كانت عرجاء، ومن ذلك قانون الرحمة الذي جاء به الرئيس زروال، وهو خطوة عرجاء، وقانون الوئام المدني، وهو خطوة عرجاء، والميثاق من أجل السلم والمصالحة، وهو خطوة أهم، إلا أنها تبقى ناقصة، ويظل نضالنا قائما حتى تستكمل بقية الخطوات، لتحقيق المصالحة.

تدعون في التجمعات والندوات مع المناضلين والمواطنين إلى التصويت بنعم، مثلما تفعل أحزاب التحالف الرئاسي، هل يوجد بينكم تنسيق، أم أن لكم خطابا مختلفا عن الأحزاب الأخرى المساندة لمسعى الرئيس؟

"
موقفنا يختلف عن موقف التحالف الرئاسي، الذي يعلم الكل أنه لم يناضل من أجل هذه المسائل، ولم يبلور فكرة حولها
"
النشاط الذي نقوم به هو استمرارية للنشاطات السابقة، فحركة الإصلاح الوطني كانت المصالحة الوطنية محور نشاطاتها خلال السنوات الماضية. ودعت إلى تبني المصالحة في كل وقت، وقدمت في ذلك مذكرات، مما جاء في دعوتها، الحديث عن الملفات، الأمنية والسياسية وغيرها بتفصيل دقيق، يشمل الفئات التي تناولها الميثاق.

ونعتبر السلطة في ذلك استجابت لطرح حركة الإصلاح الوطني، الذي ناضلت من أجله سنوات طويلة. وكنا على قناعة ولا نزال أن لا مجال لتطبيقه إلا بتبني السلطة له. ونحن علمنا الإسلام أن نقول للمحسن أحسنت، ونعين على الخير متى جاء، ومجيء هذه الخطوة اليوم أفضل من تأخرها.

أما خطابنا فهو أن نشرح هذا المسعى ونبين ما له وما عليه. فموقفنا لذلك يختلف عن موقف التحالف الرئاسي، الذي يعلم الكل أنه لم يناضل من أجل هذه المسائل، ولم يبلور فكرة حولها، وأقصى ما تناولها بعضها شعارات جافة.

هل استشارتكم السلطة في بلورة نص الميثاق أو في صياغته النهائية؟

لم نستشر في المسعى، ما علمنا أن غيرنا استشير، ونعتبر أن هذا التقصير في التعامل مع الأحزاب الفاعلة هو الذي تسبب في الخلل الموجود في الميثاق، ولو استشرنا في الصياغة النهائية لأمكن تدارك الخلل.

كيف ترون موقف الأطراف من أحزاب سياسية وجمعيات رافضة للميثاق، والتي تعتبره تغطية للجرائم ضد الإنسانية وتبرئة للمتورطين في خرق حقوق الإنسان، وما هو وزن هذا التيار وتأثيره على رأي الناخب؟

من الطبيعي أن يقع الخلاف حول المسألة، وأن تظهر أطراف بمواقف مختلفة، ومن الواجب احترام آراء كل الأطراف ومناقشتها بالدليل والحسنى. وأنا أرفض خطابات العدوان على الآراء المخالفة، وأعتبر ذلك مصالحة بمنطق الاستئصال، الذي لا يلتقي مع جوهر المسعى.

أعتقد أن الشعب سيصوت لصالح المسعى بنسبة كبيرة جدا، وأريده أن يفعل ذلك، على أن يكون واضحا أنها خطوة إيجابية على طريق المصالحة.

على ذكر المصالحة بمنطق الاستئصال، هناك من يقول إن أطرافا لا تزال في السلطة ترفض المصالحة، وتركت بصمتها في صياغة الميثاق، ويتهمون رموز الاستئصال بذلك، ما رأيكم؟

الميثاق ديباجة وموضوع. والديباجة على طروحات غير حكيمة، نتحفظ عليها ولا نزكيها. أما الموضوع فقد اشتمل على جوانب إيجابية جديرة بالتثمين. فنحن مع الميثاق من أجل الموضوع، لا من أجل الديباجة، بالفهم الذي سبق ذكره.

هل ترون أيضا أن الرئيس يكون قد عرض الميثاق في شكله الحالي، صيغة وسطى بين المساندين والمعارضين للمصالحة داخل النظام، خاصة أنه تحدث نفسه عن عراقيل في طريق مسعاه؟

نفهم من خطابات الرئيس أن هناك عراقيل تقف في طريق مسعى المصالحة الوطنية، وأن وثيقة الميثاق أقصى ما يمكن الوصول إليه في ظل التوازنات القائمة، وأنه خطوة على الطريق. ومثل هذا الكلام واضح على أن يستمر النضال.

تتوجهون في خطاباتكم إلى المناضلين والمواطنين، وماذا تقولون للمسلحين أول المعنيين بهذا المسعى؟

نحن نحاول أن نجعل حديثنا موصوفا بالصراحة والوضوح والصدق والموضوعية، فنقول ما للميثاق وما عليه. وندعو الناس لتثمين ما فيه من خير، وللاستمرار في النضال من أجل استكمال بقية جوانب الخير المطلوبة. وأملي أن يجد مثل هذا الخطاب في نفوس مستمعيه أو قارئيه أثرا إيجابيا.

وهل تتوقعون استجابة لهذه الفئات المعنية؟

المتوقع أن تكون استجابة، إلا أن الميثاق يظل قاصرا على اجتثاث الأزمة، ولا نضمن بذلك عدم تكرارها، وعليه ألح على ضرورة استكمال معالجة بقية الملفات المطلوبة بالجوانب السياسية.


ماذا ينتظر من السلطة عقب التصويت على الميثاق؟

المطلوب هو الشروع في تقنين ما تضمنه النص وحمايته بقوانين واضحة وموضوعية ودقيقة. وأن يتم تخصيص العام وتقييد المطلق وتوضيح الغامض الذي جاء في الميثاق. فإذا فعلت السلطة ذلك أمكن تصور نوع من الانتعاش والتفاعل الإيجابي.

فالشعب ينتظر أن يرفع العدوان على دينه ولغته وثروته، وينتظر سياسات راشدة في الضرائب والرسوم، وفي الوصول إلى الوظائف العامة، وما لم يتم ذلك يظل الوضع حاملا المخاطر.
ــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة