خيارات سيئة تواجه واشنطن ولندن بشأن الموضوع العراقي   
الثلاثاء 1424/4/4 هـ - الموافق 3/6/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

يحتدم الجدل في الولايات المتحدة وبريطانيا هذه الأيام بسبب العراق وأسلحته المزعومة التي كانت سببا في احتلاله وفرض الحكم العسكري المباشر عليه. الأسباب هذه المرة لا تتعلق بالرئيس العراقي السابق أو التهديدات التي يمكن أن يمثلها ولكن بسبب أسلحة الدمار الشامل التي تحولت من كونها خطرا متوهما إلى خطرا محتملا ولكن على الحكومتين البريطانية والأميركية بالذات.

فالحكومة الأميركية تواجه هذه المرة وضعا دقيقا ومعقدا نشأ بسبب غزو واحتلال العراق. وأركان الإدارة في واشنطن يعلمون جيدا أن(الانتصار) في العراق قد لا يحمل معه أسباب الاحتفال بذلك الانتصار.

أجواء العاصمة الأميركية تشير إلى تحول الخلاف المعروف بين الصقور والحمائم إلى صراع أكثر سخونة بعد دخول أطرافا أخرى فيه.الأمر ببساطة يتعدى أسلحة الدمار الشامل العراقية, ليصل إلى موضوع أكثر حساسية يتعلق بمكانة الولايات المتحدة خارجيا وأسلوب صنع القرار فيها.فالخلاف يتركز اليوم على أسلوب صنع القرار في أكبر وأقوى دولة في العالم.

فقد أثارت بعض من أبرز وسائل الإعلام الأميركية قضية خطيرة تأتي في الوقت الخطأ بالنسبة لإدارة بوش.فإذا كانت الإدارة تعتبر الموضوع الأمني هو الموضوع المركزي في أجندتها بعد أحداث سبتمبر/أيلول فأن هذا يفترض بداهة النهوض بأجهزة الاستخبارات الأميركية ورفع درجة كفاءتها إلى الحد الذي يوازي قوة البلاد العسكرية ويوفر الأمن للمواطن الأميركي. غير أن هذا الرهان يشهد تداعيا رهيبا الآن وبشكل قد يعمل على بث الخوف لدى ذلك المواطن بدل أن يعطيه الحس بالأمان الذي تبشر به إدارته.

فالأميركيون يسمعون الآن أن أجهزة الاستخبارات تلك لم تتصرف كما ينبغي في الموضوع العراقي وهو أمر يمكن أن يعود بأثر رجعي إلى أحداث سبتمبر/أيلول ذاتها وما إذا كانت تلك الأجهزة الأمنية تصرفت أو تتصرف حاليا بشكل سليم. ورغم أن الاستخبارات الأميركية أفلتت من تهمة الفشل في توقع هجمات سبتمبر/أيلول , أو هكذا قيل, إلا أنها الآن تواجه وضعا صعبا قد يطيح بأركانها.فكل الإيحاءات تفترض أن فشلا استخباراتيا يكمن وراء القرار الأميركي بغزو واحتلال العراق.

غير أن لتلك الأجهزة رأيا أخر تسعى الآن, عن طريق الكونغرس والإعلام وقوى ضغط أخرى, إلى إبرازه ردا على قوى داخلية في واشنطن تريد الإيقاع بها وجعلها كبش فداء لمغامرة الغزو والاحتلال . فالانسياق وراء المنطق الحالي الذي يقول بأن هناك فشلا استخباريا تسبب بالحرب على العراق من شأنه أن يقود إلى منطق أخر أكثر خطورة مؤداه أن الولايات المتحدة دولة بلا أجهزة مخابرات فعالة وأن ذلك الفشل المزعوم بدأ منذ هجمات العام 2001 وصولا للوقت الراهن.وهذا الأمر لا يريد ترويجه الكثير من السياسيين الأميركيين كما لا تريده أجهزة الاستخبارات التي تعلم الحقيقة كاملة بشأن ما جرى لكنها لا تملك السلطة لقول الكثير.

رد الأجهزة الاستخبارية جاء على لسان مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جورج تينيت الذي أكد فيه على براءتها من الموضوع العراقي. إذ شدد تينيت على أن دور الاستخبارات هو" نقل ما تعرفه إلى المسؤولين السياسيين وما لا تعرفه وما تفكر به , وعلى أي أساس تستند في تحليلاتها". وأضاف"حافظنا على النزاهة في عملنا طوال الوقت في العراق وأي إيحاءات تقول عكس ذلك هي غير مبررة". قول تينيت الذي صيغت عبارته بدبلوماسية تتفق مع حساسية المنصب أوضحته عبارة أوردتها مجلة نيوزويك لمسؤولين آخرين أكدوا جميعهم على أن المشكلة لا تكمن في المعلومات بل في الطريقة"التي استخدمت فيها تلك المعلومات".كما أوردت مجلة تايم اتهامات وجهها أحد مسؤولي الاستخبارات لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد بالتلاعب بالمعلومات حين قال ذلك المسؤول إن"رامسفيلد كان يتلاعب بالمعلومات بطريقة واسعة".

هذا الوضع الغامض بين الفشل الاستخباري المزعوم أو التلاعب السياسي بالمعلومات قاد رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ سابقا السناتور بوب غراهام إلى القول "إذا لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل فإن ذلك يعني إما فشلا ذريعا لأجهزة الاستخبارات أو هو محاولة لخداع الأميركيين من خلال التلاعب بمعلومات هذه الأجهزة".

بكلمة تواجه إدارة بوش أسوأ خيار يتلخص في الاختيار بين أمرين أحلاهما مر.فإما الاعتراف بفشل وقصور أجهزتها الاستخبارية وهو أمر يستحيل تصوره في دولة فرضت إجراءات أمنية باتت تهدد الديمقراطية وحقوق الإنسان هناك إلى درجة جعل الأمن مسألة مركزية وأولوية قصوى في الداخل الأميركي بعد هجمات العام 2001. أو مواجهة خيار ثاني يتلخص في الاعتراف بوجود تلاعب بالمعلومات الاستخبارية وانتهاج الكذب والتضليل أساسا لصنع السياسة الخارجية. ومن يدري فقد يؤدي هذا إلى إثارة الشكوك في حقيقة المعلومات التي كانت الإدارة تملكها بشأن هجمات سبتمبر/أيلول وما إذا كانت أخفت الحقيقة بشكل يزيد من إرباك المواطنين الأميركيين الذين لا يعرفون كيف تسير الأمور منذ تلك الهجمات حتى اليوم.

أما في بريطانيا فأن رئيس الوزراء توني بلير يواجه هناك وضعا لا يقل صعوبة عما يواجهه حليفه بوش. فوزيرة التنمية الاجتماعية كلير شورت التي استقالت بعد الحرب وأثبتت إخلاصها لبلادها أثناء انشغال الجنود البريطانيين بتلك الحرب, اعتبرت أن هناك تضليلا متعمدا للشعب البريطاني. كما أن هناك حملة لجمع تواقيع في البرلمان البريطاني لإصدار مشروع قرار يلزم بلير بكشف مصادر أدلة حكومته بشأن أسلحة العراق، والدعوة إلى تحقيق مستقل في الموضوع برمته.

وتتمسك روسيا, التي عارضت الحرب الأميركية, بمطالبها في إجراء تحقيق نزيه عن أسلحة العراق المزعومة.الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال مؤخرا وبحضور الرئيس بوش" روسيا تعتقد أن مسألة نزع سلاح العراق مازالت مفتوحة ويتعين الاتفاق على كيفية إغلاقها... نحن ننطلق من موقف أن أي شيء يعثر عليه في العراق يجب بمقتضى القانون الدولي أن تشهد عليه لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية".وهو أمر من الصعب الوصول إليه بعد أن اعترف رئيس فرق التفتيش في العراق السويدي هانز بليكس, أو كاد, أن العراق خال من أسلحة الدمار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة