السينما الخليجية.. القادم أفضل   
الخميس 1433/5/27 هـ - الموافق 19/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:06 (مكة المكرمة)، 14:06 (غرينتش)




طارق الشناوي

على عكس العديد من المهرجانات السينمائية التي تقيم في أماسيها حفلات موسيقية أو غنائية، حرص مهرجان "الخليج" منذ دوراته الأولى أن ينظم مناقشات جادة تتناول الشأن السينمائي العربي، فتعددت الأمسيات وكان المحور الدائم والغالب على المناقشات هو مصير سينما الخليج، وأضاء هذه الليالي حضور الشباب المتحمس دوما للعطاء.

في المسامرات الليلية، كان أغلب الحضور من كتاب السيناريو والمخرجين والمصورين الشباب، الذين يحلمون لكي يعبروا من شاطئ الهواية إلى دنيا الاحتراف، حيث إن مدير المهرجان الناقد مسعود أمر الله حريص على وجود ورشة تضم هؤلاء الشباب من خلالها تبدأ مرحلة تقييم الأفكار ووضع الأسس لبناء السيناريو، وشهدت مشاركة المخرج المصري محمد خان، والمخرج ميشيل كمون من لبنان، والكاتب البحريني فريد رمضان، وكان المحور الرئيسي هو حالة الضعف الشديد في السيناريو.

ضعف السيناريو ظاهرة يمكن أن ترصدها ليس فقط على المستوى الخليجي، بل العربي كله رغم أهميته، وبكفي أن نذكر للتدليل على ذلك بتاريخ جوائز الأوسكار لأفضل فيلم حيث إن 90% من الحالات كان أفضل فيلم هو أيضا الفيلم الحاصل على أفضل سيناريو، وهذا يؤكد المكانة الاستثنائية للسيناريو، فهو ليس مجرد عنصر هام في بناء الفيلم، ولكنه الأهم.. هذا العام حدث الاستثناء ولم يحصل فيلم "الفنان" الحائز على الأوسكار على جائزة السيناريو، ولكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

الجمهور الخليجي يفضل مشاهدة الفيلم الأميركي والهندي، وربما يأتي بعد ذلك المصري ثم الخليجي

المساحة ورأس المال
ما الذي يعوق السينمائي الخليجي لاحتلال مساحة على الخريطة السينمائية، إنها دورة رأس المال. السينما فن وصناعة وتجارة ينبغي أن يضمن المنتج أن يسترد أمواله، إلا أن الجمهور الخليجي يفضل مشاهدة الفيلم الأميركي والهندي، وربما يأت يبعد ذلك المصري ثم الخليجي.

وهكذا أصبحنا نادرا ما نعثر على فيلم خليجي جديد، لأن الجمهور الخليجي لم يألف بعد الفيلم الذي خرج من هذه البيئة ليعبر عنها. ورغم ذلك تمكن مهرجان الخليج السينمائي من عرض فيلم "تورا بورا" للكويتي وليد العوضي في الافتتاح، وهو يتناول الإرهاب المسلح الذي يقتل المدنيين، بادعاء أن هذا هو شرع الله، وتجري أحداث الفيلم في بيشاور على الحدود بين أفغانستان وباكستان وصولا إلى جبال تورا بورا، التي كانت معقلاً حصيناً لتنظيم القاعدة.

يستند المخرج، الذي شارك في كتابة السيناريو أيضا، إلى واقعة حقيقية لا تتناول بلدا محددا، ولكنك تستطيع أن ترى فيه العديد من التنويعات المماثلة التي شاهدنا الكثير منها في عالمنا العربي والإسلامي، حيث يتم الخلط بين الدين ودعوته للجهاد في سبيل الله وبين القتل والترويع، الذي يشمل المدنيين.

واستعان المخرج بفنان ديكور عالمي هو ماركو تورنتيني وذلك من أجل الوصول إلى أعلى درجات الدقة التعبيرية في العمل الفني. ولكن الفيلم ظل يدور في إطار فكري ضيق أدى إلى تقييد الفكرة لنجدها وقد خضعت لحالة من التنميط في رسم الشخصيات.

الرهان الصعب هو كيف تصل الرسالة بمعناها المباشر إلى العالم، وليس فقط إلى البلد الذي ينتمي إليه الأبطال.. هناك ولا شك مفهوم خاطئ شمل الدين الإسلامي في الغرب بسبب تلك النظرة التي يرى بها البعض الإسلام مرادفا للإرهاب.

السيناريو كانت تستهويه -على الطريقة الهوليودية- خلق ذروة درامية تواجه الأبطال حتى يضمن جذب الجمهور ولكنه أغفل الإحساس الإنساني خاصة وأننا بصدد عائلة ذهب ابنها الصغير إلى تورا بورا بعد أن تعرض لغسيل مخ بينما أمه وأبوه بدآ رحلة البحث عنه وفي نفس الوقت فإن أخاه الكبير ذهب إلى هناك لإنقاذ كل أفراد الأسرة.

سيناريو فيلم الافتتاح "تورا بورا" كانت تستهويه على الطريقة الهوليودية خلق ذروة درامية تواجه الأبطال حتى يضمن جذب الجمهور ولكنه أغفل الإحساس الإنساني

بناء حجري
في تورا بورا نرى مجرد رسم تخطيطي هندسي مباشر يحيله إلى شيء أقرب لبناء حجري خال من المشاعر، وكل ما يقدمه المخرج مجرد لمحات سريعة عن الفندق الذي أقام فيه الأبوان، وعن بيع الحشيش علنا في بيشاور وعن المعارك القبلية في أفغانستان ولا شيء أكثر من ذلك.

الفيلم يتهم القاعدة بأنها ساهمت في غسيل المخ للشباب العربي المسلم في أنحاء العالم، ليعتبروا أنفسهم في مواجهة ضد الكفار الذين ينبغي سحقهم، ولكن غابت الرؤية الدرامية والفكرية، وتحول الأمر إلى مجرد تمضية حوالي ساعتين في عمل فني كان ينبغي اختصاره على أقل تقدير إلى النصف، وقد شاب أداء الممثلين قدر كبير من النمطية في التعبير مثل سعد المفرح وأسمهان توفيق وياسين الحاج.

ورغم الجهد الرائع على مستوى الصورة، وأيضا في التعبير الموسيقي لرعد خلف، فإن المحصلة النهائية هي أننا بصدد عمل فني يعوزه الكثير لكي يصل إلى مغزى رسالة وهي فضح التطرف وتبرئة الإسلام، فلا نجح في هذه أو تلك وضاع في جبال تورا بورا، وقد حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الخليجية!

في الفيلم الإماراتي "أمل" الحاصل على الجائزة الثانية، سوف يشاهد كل من هاجر بعيدا عن أرض وطنه وشعر بالحنين لدفء تراب بلاده ولم يستطع العودة، حكايته في تلك الحكاية. أمل حويجة فنانة سورية لها باع طويل في المسرح والتلفزيون، عاشت زمنا في دولة الإمارات، وعندما قررت العودة في العام الماضي إلى سوريا كانت الثورة قد أخذت منحى آخر وبات الفنان والمثقف السوري محاصرا، فلم تجد أمامها سوى العودة مرة أخرى لغربتها!

في الفيلم الإماراتي "أمل" الحاصل على الجائزة الثانية.. سوف يشاهد كل من هاجر بعيدا عن أرض وطنه وشعر بالحنين لدفء تراب بلاده ولم يستطع العودة، حكايته في تلك الحكاية

 

الفيلم أخرجته الإماراتية نجوم الغانم وشاركت مع أمل حويجة في كتابته، وهو يتناول تلك السنوات التي أمضتها "أمل" في دولة الإمارات تعمل في الصحافة والمسرح والتلفزيون والإذاعة.. ينتقل بين أكثر من محور حيث نرى الفنانة أثناء التدريب على الأداء المسرحي في البروفة، وكيف أنها تعيش لحظات الإبداع الحقيقية، ويظل حضورها الإنساني موازيا لحضورها الفني في السيناريو.

حرصت المخرجة على أن تقدم من خلال حياة البطلة أوجه الثقافة والحياة في الإمارات، كما أنها لم تنافق في مشاعرها عندما أقرت بأن العودة للوطن هي النهاية الحتمية وأن ما تبقى لديها من رصيد في الحياة من حق بلادها أن تعطيه لها، ولكن وجدت أن الأمن السوري يفتش في الضمائر والشعب السوري انتفض مطالبا بالحرية، بينما أغلب الفنانين والمثقفين السوريين  يشل حركتهم الخوف من قبضة الأسد.. لم تستطع الاستمرار طويلاً في سوريا.

كان ينبغي أن تعود مجددا إلى الإمارات. الفنان لا يملك سوى أن ينحاز إلى الشعب حتى وهو موقن أن هناك ثمناً سوف يدفع، فقررت "أمل" أن تشارك شعبها ووطنها وتدفع الثمن. عندما أرادت أن تنهي غربتها لتحقق حلمها في وطنها، اكتشفت أن سوريا تعيش في الغربة، فقررت أن تؤجل حلمها لتعيش حلم الوطن!

أما الفيلم الحاصل على الجائزة الكبرى لأفضل فيلم طويل فهو العراقي "حلبجة"، وهو فيلم ناطق باللغة الكردية، ويتناول مأساة مدينة حلبجة، التي تعرضت في زمن صدام حسين إلى الدمار والقتل والتشريد لأهلها، ويملك المخرج أكرم حيدو أن يعبر بالزمن لنرى ونعيش اللحظة قبل 24 عاما عندما عاشت حلبجة الدمار الشامل.

مهرجان السينما الخليجية بدبي كان رحلة للفيلم الخليجي، عشناها على مدى سبعة أيام بلياليها من خلال عروض الأفلام والندوات، شعرنا بعدها بأن القادم لابد وأن يكون أفضل!
_______________
كاتب وناقد فني مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة