إقليم كردستان العراق بعد الطالباني   
الاثنين 22/4/1434 هـ - الموافق 4/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
البارزاني (يمين) خلال أحد لقاءاته بالطالباني عام 2009 بأربيل (الأوروبية)

تعلق صورتان بالمكاتب الحكومية على الجدران في إقليم كردستان العراق لرئيسين: إحداهما لرئيس الإقليم مسعود البارزاني والأخرى لمنافسه الرئيس العراقي جلال الطالباني الذي تحول إلى حليف له ويرقد حاليا في مستشفى بألمانيا بعد إصابته بجلطة دماغية.

ويقول أطباء الطالباني (79) عاما إن صحته تتحسن، لكن الكثيرين بدؤوا يتحدثون بالفعل عن السياسي المخضرم بصيغة الماضي.

ويقر حتى أشد المنتقدين للطالباني بأنه شخص لا يمكن تعويضه كرئيس للعراق وزعيم لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يحكم نصف منطقة كردستان التي تتمتع بحكم شبه مستقل في شمال العراق.

وبدون سلطة الطالباني التي لا خلاف عليها، وفي ظل عدم وجود تسلسل واضح للخلافة، فإن الشكوك تحيط بمستقبل الحزب مع تنافس أكثر من ستة من الورثة المحتملين له على النفوذ.

ويمثل هذا الغموض مصدر قلق للبارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني الذي يحكم النصف الآخر من المنطقة الكردية، في وقت يشهد فيه التوازن الطائفي الهش في العراق حالة من التوتر بسبب الأزمة السورية وفق وكالة رويترز.

وقال مصدر قريب من صناع القرار في الحزبيْن الكردييْن إن أنصار البارزاني يشعرون بقلق حقيقي من غياب الطالباني، وخصوصا في حال اتخذ خليفة له غير معروف نهجا مختلفا فيما "يتعلق بالعلاقات الثنائية مما قد يقوض حالة الاستقرار والوضع القائم".

وأدى التعاون بين الاتحاد الوطني الكردستاني إلى تحول الإقليم من منطقة جبلية منعزلة إلى منطقة مزدهرة تخترق فيها شركات النفط الدولية المتنافسة على استغلال الأراضي ومشاريع البناء أفق العاصمة أربيل.

شكل اتفاق تقاسم السلطة بين الحزبين جبهة موحدة ترعى مصالحهما في بغداد حيث وقفت الحكومات المركزية المتعاقبة حائلا أمام طموحات الأكراد في الحصول على حكم ذاتي واستغلت كل فصيل ضد الآخر

تفاهم وانقسام
وساهم التفاهم بين الحكومة الإقليمية المنقسمة بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في الازدهار السريع الذي شهده الإقليم، واعتاد الحزبان أن يحكما إدارتين منفصلتين، وخاضا حربا أهلية عنيفة ضد بعضهما البعض منتصف التسعينيات.

وشكل اتفاق تقاسم السلطة بين الحزبين جبهة موحدة ترعى مصالحهما في بغداد حيث وقفت الحكومات المركزية المتعاقبة حائلا أمام طموحات الأكراد في الحصول على حكم ذاتي، واستغلت كل فصيل ضد الآخر.

وقال أحد قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني عدنان مفتي إنه ما لم يكن هناك تعاون كامل بين  الحزبين فلا يمكن الوقوف أمام بغداد، وأضاف أن العاصفة قادمة من سوريا، ولهذا فإن على الأكراد الوقوف صفا واحدا.

وتخفي القشرة الخارجية للحكومة الإقليمية الكردية المشتركة صراعا ما زال يحتدم بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، فكل حزب له مجال نفوذه الواضح بالمنطقة.

ويتركز معقل الحزب الديمقراطي الكردستاني حول أربيل والشمال الغربي المتاخم لحدود سوريا وتركيا، في حين ترفرف راية الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية العاصمة غير الرسمية له وعلى المناطق الكردية الجنوبية على امتداد الحدود مع إيران.

ولا يتمتع أي حزب بالشعبية في معقل الآخر، ويعتمد كل منهما على الآخر في الحفاظ على قبضته على المنطقة.

وفقد الاتحاد الوطني الكردستاني بالفعل بعض نفوذه لصالح حزب التغيير المعارض (غوران) الذي انفصل عن الطالباني عام 2009 وجذب عددا كبيرا من الاتباع من خلال تنديده بالفساد والحكم السلطوي.

وقال مدير العلاقات العامة بالحزب محمد توفيق إنهم لا ينتمون للحكومة الإقليمية الكردية، ويمثلون الحزب الأقوى فيما يسمى بالمنطقة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني. وفي عام 2011 كان حزب التغيير في مقدمة الاحتجاجات المناهضة للحكومة في السليمانية والتي قتل خلالها عشرة أشخاص.

وبعدما أصبح الطالباني الآن خارج الصورة، يتوقع محللون ودبلوماسيون حدوث المزيد من الانشقاقات في صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني الضعيف والمنقسم وانضمام المنشقين إلى حزب التغيير الذي تحدى بالفعل البارزاني بمطالبته بانتخاب الرئيس عن طريق البرلمان بدلا من التصويت الشعبي.

وتوقع مصدر كبير بالحزب الديمقراطي الكردستاني -طلب عدم الكشف عن اسمه- بأنه بسبب حساسية الموقف "ستقع بعض الاضطرابات العام القادم".

ومنذ مرض الطالباني جدد الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني التزامهما بالاتفاق الإستراتيجي بينهما، لكن محللين ودبلوماسيين يقولون إن الاتفاق قد يحتاج في نهاية المطاف إلى إعادة هيكلة وإن أي تغيير في التوازن قد يصيب البارزاني بالقلق.

التحالف بين الحزبين ووجود الطالباني المنافس اللدود للبارزاني في بغداد يرضي إستراتيجيته حيث أبرم تعاقدات تجارية مع الأتراك وعزز سلطته في أربيل

إيران وتركيا
وقال رمزي مارديني من معهد العراق للدراسات الإستراتيجية في بيروت إن وصفة البارزاني للحكم هي أن يظل الحزب الديمقراطي الكردستاني أقوى من أي كيان سياسي آخر، والمعارضة غير قادرة على تعزيز قوتها المحتملة.

وأضاف أن التحالف بين الحزبين ووجود الطالباني المنافس اللدود للبارزاني في بغداد يرضي إستراتيجيته حيث أبرم تعاقدات تجارية مع الأتراك، وعزز سلطته في أربيل.

وباعتباره رئيسا للعراق، أجرى الطالباني اتصالاته المكثفة لتخفيف إن لم يكن حل الخلافات بين الفصائل المختلفة بما فيها الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة والطائفة الكردية اللذان دخلا في خلافات حول الأرض والحقوق النفطية.

وكتب جو بايدن نائب الرئيس الأميركي في رسالة إلى الطالباني متمنيا له الشفاء العاجل، وأرسل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى رجل الدولة المريض باقة من الزهور وتوجه فريق طبي إيراني ليقف بجانبه في بغداد قبل سفره إلى الخارج في ديسمبر/ كانون الأول. وأقام البارزاني علاقات وثيقة مع تركيا المنافسة الإقليمية لإيران.

وتكشف برقية دبلوماسية أميركية يرجع تاريخها إلى عام 2008 ونشرها موقع ويكيليكس في وقت لاحق قلقا من جانب البارزاني بشأن كيفية التعامل مع بغداد وطهران في عهد ما بعد الطالباني.

وكثيرا ما لجأت الجماعات الكردية المتناحرة إلى جيرانها الأكثر نفوذا في الماضي للاستقواء بها على بعضها البعض، ومن ثم اُستخدمت كقطع يتم تحريكها في ألعاب جيوسياسية كبرى، وعقب إدخال الطالباني للمستشفى أرسل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وفودا إلى كل من طهران وأنقرة.

وقال مارديني إن إيران تعمل لجعل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعد الطالباني أقرب إلى حزب "غوران ليوازن" لإقامة توازن مع نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني والنفوذ التركي.

في السياق أشار مصدر في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني إلى أن الإيرانيين يدعمون التعاون بين الأكراد والشيعة، في حين تدعم تركيا السياسيين العرب السنة وتأمل أن ترى الأكراد يدعمونهم. وأضاف "إنه أمر صعب".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة